الوقف له منزلة عظيمة كأحد أعمال الخير التي حث عليها الإسلام، وقد اهتم به الفقه الإسلامي من جهة الحث عليه إذا كان ريعه يصرف في سبل الخير، ومن جهة بيان أحكامه التي تعزز الاستفادة من هذا الوقف وفق رغبة الموقف، إضافة إلى الحرص على العناية بالوقف بما يساعد على استمرار الاستفادة من ريعه في سبل الخير. والوقف كما هو معلوم إحدى وسائل الإنفاق في سبل الخير التي يستمر أثرها وثوابها للموقف بعد وفاته ما دام الوقف قائما ويستخدم ريعه في سبل الخير، ونظرا لوجود احتمال صرف الوقف في غير ما يريد الموقف فإن التشريع الإسلامي جعل التصرف في الوقف في أضيق الحدود حتى لا يتساهل الورثة أو غيرهم بالتصرف فيه في غير ما يرغبه الموقف.

من خلال النظر اليوم للوضع العام للوقف نجد أن أكبر من يقوم على الأوقاف على المستوى الرسمي وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، كما أن هناك كثيرا من الأوقاف ما زالت تدار من خلال الموقف نفسه، أو ورثته، أو وصي له بعد وفاته، كما أنه اليوم أصبحت هناك مشاريع وقفية تقوم عليها مؤسسات خيرية من خلال جمع تبرعات من المجتمع سواء كنت مالية أو عينية أو ممتلكات صالحة لأن تكون بذاتها وقفا، أو جزءا من مشروع الوقف.

هذه المشاريع الوقفية تهدف إلى تعزيز موارد المؤسسات الخيرية، لاستدامة نشاطها وإمكاناتها المالية، وهذا يخدم تنفيذ خطط ومشاريع هذه المؤسسات بناء على استراتيجيتها المتوسطة وبعيدة المدى. ولكن السؤال هنا هو: هل هذه الأوقاف تدار بشكل مثالي لتحقيق الاستفادة الأكبر لهذه المؤسسات، واستمرار الموارد المالية الجيدة؟

لا شك أن مشاريع الأوقاف لها أهمية كبيرة للمؤسسات الخيرية، ولكن من المهم أيضا الأخذ في الاعتبار أمور منها: ألا يكون التركيز على هذه المشاريع على حساب الحاجة الآنية لأنشطة المؤسسات الخيرية، مثل: الإنفاق على الفقراء، وتعليم القرآن، ودعم مشاريع ذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرها من الاحتياجات، أو على الأقل أن يكون هناك توازن بين الاحتياجات الآنية واستثمارها. من الأمور التي ينبغي أخذها في الاعتبار أيضا مسألة كفاءة إدارة هذه الأوقاف، يضاف إلى ذلك وجود خطة استراتيجية لهذه المؤسسات تبين آلية الاستفادة من موارد هذه الأوقاف بما يحقق أهدافا محددة، ورؤية طموحة، مثل تقليص معدلات الفقر في المجتمع، أو تعليم أعداد معينة من الأفراد، أو علاج أو الحد من مشكلة محددة في المجتمع من مثل التدخين أو المخدرات أو العناية بذوي الاحتياجات الخاصة.

وبالعودة إلى موضوع الكفاءة في إدارة هذه الأوقاف، فإن هناك أهمية كبيرة بالعناية بمسألة وجود كفاءات لديهم مؤهلات وخبرة كافية في إدارة الأوقاف، وذلك من خلال تعيينهم للعمل متفرغين لإدارة هذه الأوقاف، ويكون عملهم فعليا منفصلا ومستقلا عن نشاط المؤسسات الأساسي؛ حيث إن من مهام هذه الإدارة اختيار مجالات الاستثمار، من خلال دراسة الجدوى والتنوع في المحافظ الاستثمارية، حيث أصبح من الملاحظ التركيز على المشاريع العقارية، وهي بلا شك جيدة، ولكن التركيز عليها دون غيرها من الاستثمارات قد يعرض هذه الاستثمارات لتقلبات سوق العقار.

من المسائل المهمة أيضا مسألة إدارة عوائد هذه الأوقاف، إذ إنه من الممكن أن يحصل هناك ضخ أموال كبيرة في هذه الاستثمارات، ولكن لا يتم تشغيلها بصورة جيدة، وبالتالي لا يتحقق العائد المأمول منها، أو أن تتهالك هذه الأصول مع الزمن دون وجود عناية كافية بها نتيجة عدم وجود إدارة ذات كفاءة عالية، قد يكون من المناسب وجود إدارة مشتركة للأوقاف بين المؤسسات الخيرية التي تعتني بنشاط معين، مثل العناية بالمساجد، أو تعليم القرآن، أو العناية بالفقراء، وهدف كونها إدارة مشتركة هو تخفيض التكلفة، وتعزيز قدرتها على استقطاب كفاءات عالية.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن هناك تجارب متميزة في المملكة في مسألة إدارة الأوقاف للمؤسسات الخيرية، كما أن هناك تجارب عالمية لإنشاء الأوقاف بغرض دعم نشاط أو برنامج محدد، وهذا ملاحظ في مشاريع الأوقاف الخاصة بالتعليم، حيث تتمتع أرقى الجامعات في العالم برصيد كبير من الأصول، وهي عبارة عن أوقاف استثمارية بغرض دعم مشاريع هذه الجامعات البحثية والتعليمية، وانعكس ذلك بشكل ملحوظ على تميز مخرجات هذه المؤسسات سواء التعليمية أو البحثية وتعزيز مركزها المتقدم عالميا، وهذه التجارب متاح الاطلاع عليها بغرض الاستفادة منها، إذ إن الاستفادة من التجارب العالمية أمر يعزز كفاءة إدارة المشاريع الوقفية.

فالخلاصة أنه مع الاهتمام الكبير الذي توليه المؤسسات الخيرية للمشاريع الوقفية بشكل ملحوظ اليوم، فإنه لا بد من العناية بإدارة هذه المشاريع بكفاءة عالية، تعزز استدامة موارد المؤسسات الخيرية، وتحقق رغبة المتبرعين.

 

بقلم : د. صلاح بن فهد الشلهوب