توجد في المملكة العربية السعودية أوقاف يُقسَّم ريعها على ذرية الواقف دونما نص من الواقف، كالأوقاف التي خصصها بعض الواقفين لأضاح تذبح عنهم وعن والديهم (مثلاً)، ففي وقت إنشاء مثل هذه الأوقاف كان ريعها يوازي قيمة الأضاحي التي حددها الواقف، ومع مرور الزمن تضاعفت القيمة السوقية لغالب تلك الأوقاف مئات وآلاف المرات وأصبح ريع بعضها يدر مئات الملايين بعد أن كان لا يصل إلى المئات، وقد وقفت على أوقاف ضخمة مخصص ريعها للأضاحي عن الواقفين ووالديهم يقدر ريعها حالياً بعشرات الملايين مع أن قيمة الأضاحي الموصى بها لا تتجاوز 20 ألف ريال! فيعمد النظار إلى تقسيم باقي الريع بين بقية الورثة الذين غالبهم من الأغنياء والموسرين!

ومن وجهة نظري أن هذا العمل يتنافى مع مقاصد الوقف في الشريعة الإسلامية ويحتاج إلى تحرير وحسم لهذه المسألة من قبل اللجنة الدائمة للإفتاء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: ”والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة والأصول أن الوقف على الأغنياء باطل أيضا لأن الله سبحانه قال في مال الفيء: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولاً بين الأغنياء دون الفقراء، فعلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه، فمن جعل الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دولة بين الأغنياء فيتداولونه بطنا بعد بطن دون الفقراء، وهذا مضاد لله في أمره ودينه، فلا يجوز ذلك” انظر: الفتاوى 31/31.

كما أنه من الواجب الشرعي على المحاكم الشرعية أن تمارس دورها (المعطل) وصلاحياتها بوصفها صاحبة الولاية في الإشراف على أعمال نظار الأوقاف وذلك بأن تتبنى تتبع وحصر الأوقاف التي خصصت مصارفها على الأضاحي والحج عن الواقف، وغيرها من المصارف المحدودة التي يفيض ريع العين الموقوفة عليها عن قيمة ما خصصه الواقف من مصرف محدود، والتحقق من مجالات صرف الفائض من ريع مثل هذه الأوقاف.

فالأصل في هذه المسألة أن الفائض من ريع الوقف يصرف في مصرف مماثل كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- بقوله: ”فزائد الوقف يصرف في المصالح التي هي نظير مصالحه وما يشبهها”، وقد عرضت هذه المسألة على العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين – يرحمه الله – ونص السؤال ”هناك وقف ريعه مخصص لأضحية عن الواقف، وقد ثمن الوقف وبني بقيمة التثمين عمارة ريعها حالياً 400.000 أربعمائة ألف ريال سنوياً، فهل الفائض بعد إخراج الأضحية يصرف في مصرف مماثل كإطعام الفقراء والمحتاجين، وفي مقدمتهم المحتاج من ذرية الواقف؟ أو يعود لورثة الواقف؟

فأجاب، رحمه الله: ”معروف أن الواقف يريد الأجر، ومن الأجر استمرار الأضحية سنوياً، وإن كان نفعها أقل من الصدقة في غير وقتها، وإذا كان كذلك فغلة هذه العمارة تصرف في المصارف الخيرية للفقراء والمساكين وذوي الحاجة، ويقدم الأقرب فالأقرب من أولاد الواقف أو إخوته، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: ”صدقتك على الفقير صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة”ا.هـ.

فعلى هذا فالزائد من ريع الأوقاف المخصصة للأضاحي المفترض صرفه في مجال إطعام الفقراء والمحتاجين، فهذا ما يتماشى مع المقاصد الشرعية للوقف لا أن يعود الفائض من ريع الوقف ليتقاسمه الورثة كما هو الحال في ظل عدم وجود متابعة لأعمال نظار الأوقاف.

 

بقلم : د. خالد بن هدوب المهيدب