الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: فإن الوقف يعد مفخرة من مفاخر الإسلام، ونموذجاً حضارياً في رعايته لفئات المجتمع في كل ما يعتمد عليه الناس في معيشتهم، لا سيما سكناهم واستقرارهم الاجتماعي.
وقد عدّ ذلك رسولنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باباً من أبواب السعادة :روى الحاكم وأبو نعيم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح ، والمركب الهنيء . وأربع من الشقاء : المرأة السوء ، والجار السوء ، والمركب السوء ، والمسكن الضيق».
والوقف ولاشك واحد من أهم الروافد العظيمة الذي ساهم عبر تأريخه الناصع في تحقيق الرفاه الاجتماعي للأمة في عصورها المتلاحقة في عمارة الأرض وتوفير المتطلبات الرئيسة لأفراد الأمة.
الوقف في اللغة: الحبس والمنع. وعند الفقهاء تعددت تعريفاته، نظراً لاختلاف الجهات التي نظروا منها إليه، إلا أن أجمعها (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة). إذ هو مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : «احبس أصلها وسبل ثمرتها»، (ويقصد بذلك حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد، والتصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البر).
يتميز الوقف بمزايا لم تعهد عن أي تجارة رابحة، أو مشروع تنموي آخر، لعل من أبرزها: قدرته على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والأسري لفترة طويلة، ذلك أن الوقف يمنع التصرف في أصله، فهذا وقف عثمان رضي الله عنه, شاهد حي في عصرنا هذا، حيث يرد اسمه رضي الله عنه في أسماء المؤسسين في جبل عمر بمكة (بمبلغ عيني يمثل : 10.537.929) ريـال، فقد كانت له دار هناك أوقفها في زمانه، وقد دخلت الآن في هذا المشروع. وفي النصف الآخر من الكرة الأرضية، يطلعنا باحث أمريكي على نتيجة مبهرة بعد دراسة لحال أكثر الأسر الأمريكية ثراء منذ تأسست أمريكا وماذا آل إليه حال الورثة بعد سنوات طويلة، حيث وجد أن عائلة الثري الأمريكي (روك فلر) هي الوحيدة من بين قدماء العوائل الثرية التي احتفظ أبناؤها بثرائهم بعد وفاة عميدهم بمئة سنة والسبب أنه منعهم من بيع أصول التركة وأوصى بتوزيع العائد عليهم وجزء منه للمشاريع الخيرية.
ناهيك عن النماء والبركة في العقار أو المال الموقوف، حيث هو تجارة مع الله سبحانه وتعالى, وتأمل وقف الحاج رحيم في مكة (حاج من تركستان) : حيث وقف صاحبه عام 1307 هـ غرفتان فقط , ثم لا زال ينمو حتى أصبح ريعه في عام 1389 هـ يقدر بـ 300,000 ريـال , وفي عام 1416هـ كان الوقف يملك ثلاثة أبراج في مكة, ثم حصلت للوقف انتقل نقلة نوعية عندما حوله آخر نظاره المتميزين إلى إدارة مؤسسية، فأصبح في عام 1433 هـ يملك أحد عشر برجاً في مكة يقدر أحدها بـ 400مليون ريـال , وبعض أبراجه الآن تطل على ساحات الحرم مباشرة.
أما روائع الوقف في التأريخ الإسلامي، فنطالع باب الوقف الاجتماعي عجباً من العجب، فقد وقفت العقارات بأنواعها من دور للسكنى، ودور للعلاج، وأخرى للرعاية، فمن ذلك: وقف دور الرعاية لإيواء اليتامى ورعايتهم، ورعاية المقعدين والعميان والشيوخ، وأشهر ما ثبت عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وقف دورهم ومساكنهم سواء على ذراريهم أو على الحجاج أو غير ذلك، كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن معاذ، وعمرو بن العاص، وحكيم بن حزام، وغيرهم.
إن عمارة الأرض مما تشمله ساحة الأوقاف الإسلامية التي وسعت مصالح رعايا الدولة المسلمة واحتياجاتهم المهمة كالاستقرار السكني ونحوه، لتخفف وترفع بذلك عبأً كبيراً عن الدولة المسلمة, وقد كانت الدول والممالك الإسلامية تزول ويحل محلها غيرها ومصالح المسلمين لا تتأثر بذلك ! بسبب قيام تلك المصالح على الأوقاف بكل استقلالية عن الدول.
الوقف – أيها القارئ الكريم – من أعظم ما يمكن أن تُحَل به عوائق استقرار المجتمع، ذلك أن الواقف إنما يسعى بوقفه لأرض معينة أو دار إلى تكاتف المجتمع وربطه ببعضه – فضلاً عن طلب الأجر والثواب – ، وربما كان الوقف ركيزة أساسية في بناء مدينة كاملة، ففي واقعنا المعاصر مدن بأكملها أساسها مشروع وقفي، تنهض على أساسه! ولعل من أبرز تلك المدن في البوسنة: سراييفو، وتيرانا، وكورشتا، و والباسان، وفي البلقان: بلغراد، وسالونيك، وغيرهما، حتى إن بعض المدن أخذت من لفظ (الوقف) نصيباً في اسمها، كمدينة: (كاسكندر وقف) و (غورني وقف) و (دوني وقف). وربما كان أساس بعض هذه المدن بناء حصن عسكري ليكون وقفاً لحماية المسلمين! ثم نمت الفكرة إلى إنشاء مدارس ووقفها على أبناء المسلمين لتعليمهم، ثم دور ومساجد، حتى أصبحت مدينة متكاملة.
ومن جانب الوقف على توفير الدور والإسكان عند الغرب، فإن الدول الغربية تنبَّهت لأهمية ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وازداد عدد الأوقاف العائلية، ونمت هذه الفكرة المستوحاة من التشريع الإسلامي، حتى وعت ما له من الأهمية في استقرار المجتمع، فسعت جاهدة إلى أن توليه أهمية بالغة، فأنشأت نظاماً يشبه الوقف يسمى (trust)، ونجحت فيما يَعُوْلُه من مؤسسات وقفية، ودور وإسكان، ومستشفيات، وملاجئ اجتماعية، قفد اجتهدت الولايات المتحدة الأمريكية في توسيع مجال هذه الأنظمة، فكثرت المنشآت الاجتماعية التي تقوم على أساسه، وتعتمد على ذاتها اعتماداً كلياً ، هذا وقف بيل وميليندا جيتس الذي يعد من أضخم الأوقاف في عصرنا الحاضر، وتقدر قيمة رأسماله حتى الآن بأكثر من مئة وستة وثلاثين مليار وخمسمئة مليون ريـال (136.500.000.000)، والذي يعد بمثابة المؤسسة الاجتماعية الخيرية.
وغير خافٍ أن من محاسن شريعة الإسلام أن شرعت لأهلها ما ينفعهم ديناً ودنياً , في حياتهم وبعد مماتهم, فإذا كانت صحائف بعض العباد تطوى بعد موتهم، فهناك من لم تطو صحائف أعمالهم بعد رحيلهم! روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة , أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحبس عليه، لا توهب، ولا تورث، …)، ولكنَّ كثيراً من الناس عن هذا قد غفلوا، وانشغلوا في أمور الحياة، فقلَّما نجد من يعتني بهذا وينتبه له ، مع أن ذلك من أهم أسباب سعادة الإنسان في آخرته.
أما المنافع التي تعود على المجتمع – وبخاصة في عصرنا الحاضر – فكثيرة ، من أهمّها: التكافل بين أفراد المجتمع , وتنميته , وتكاتف أهله وترابطهم , وإعانة الفئات المحتاجة فيه , ودعم مؤسسات الخير والدعوة والعطاء.
فالوقف استثمار رابح للمستقبل القريب لأنه استثمار مع رب العالمين, فتسعة من العشرة المبشرين بالجنة هم من أصحاب الأموال – هم العشرة باستثناء أبي عبيدة رضي الله عنه – وقد كان المال بعد فضل الله ومنته أحد أهم أسباب بلوغهم رضوان الله وجنته، وحري بالمسلم المبادرة إليه قبل أن تبلغ الروح التراقي، فقد لا يذكر الأبناء والدهم إذا لم يخلّد ذكره بنفسه!
وأخيراً فالوقف هو الملك الحقيقي للمال ! فمن أراد أن ينقل معه شيء من أمواله للآخرة فعليه بالوقف, وذلك هو الاستثمار الحقيقي للمستقبل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

بقلم : د. عبد الرحمن بن عبدالعزيز الجريوي