بقلم الدكتور: أشرف سالم

منَّ الله على كاتب هذه السطور بالارتباط بعدد من مؤسسات العمل الخيري؛ عاملا ومتعاوناً ومتطوعاً، منذ سنوات طويلة أسأل الله أن يزيدها، وهذه المؤسسات على اختلاف مجالات عملها كانت تجمع القائمين عليها والعاملين بها على الإجمال صفات إيجابية تعد من أهم عوامل النجاح منها الحماس للفكرة والإخلاص في العطاء لها، وتوفر عقليات متميزة فتح الله عليها بالعلم والثقافة فكانت منبعاً لتفتق الأفكار النافعة وتصميم البرامج المفيدة، لذا تجد لديها خططا طموحة وآفاقاً مستقبلية وثابة؛ لو أتيح لها أن ترى النور وتطبق كما أراد لها منتجوها لأسهمت إسهاماً ملموساً في تغيير مجتمعاتنا ودفعها في طريق النهضة التنموية الشاملة، وإخراج الشرائح المستهدفة من دائرة الفقر والحاجة إلى آفاق الاستغناء والعطاء.
إلا أن العقبة الكئود التي تجمع –أيضاً- هذه المؤسسات فتعوق حركتها وتكبل برامجها هي مشكلة التمويل، فمصادر هذه المؤسسات هو طرق الأبواب وترقب مواسم الخير والتماس عطاءات المحسنين، وهي مصدر متذبذب يصعب معه التخطيط السليم أو الطموح المثمر، وبحكم عملي يتاح لي الإطلاع على المؤسسات المماثلة في الدول الغربية فأجد معظمها مستقرة العطاء ومستمرة النماء، وقد يظن البعض أن ذلك نتاج طبيعي لمجتمعات تتمتع بالوفرة الاقتصادية وارتفاع مستويات الدخول، وهو واقع قائم وظن في محله، ولكنه ليس السبب الوحيد بل الأهم منه أن تلك المؤسسات تعتمد في مصادرها على ريع استثمارات ضخمة تم وقفها لصالح هذه المؤسسات وبرامجها، مما يجعلها تنعتق من إسار انتظار المنح الآنية والتبرعات الوقتية التي وبلا شك مصدر مطلوب يؤدي دوراً مهماً؛ ونسأل الله لباذليه عظيم الثواب، ولكن يصعب الاعتماد عليه في التخطيط، وضمان استمرار العطاء المنتظم والفعال.
وهذا الواقع دفعني للتأمل في الصفحات المشرقة في تاريخ أمتنا المجيد، التي تنبه سلفها الصالح إلى أهمية هذا المورد في استمرار تدفق الخير، فاستجابوا لدعوة نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم عندما جعل الصدقة الجارية على رأس ما ينتفع به العبد بعد موته،تأملت في الحكمة العميقة التي أوتيها الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما فتحت له العراق، فرأى في بساتينها الوارفة وحقولها الغناء ما يفوق حاجة فاتحيها؛ فأبى إلا أن يكون لأجيال المسلمين من بعدهم نصيب فيها، فأوقفها على الأمة ورفض تقسيمها، ومن بعدها توالت الأوقاف تترى لم تدع مجالا من مجالات الخير بل من مجالات تنمية المجتمع إلا اتجهت إليه، أوقاف على المساجد والمدارس والمستشفيات وطلاب العلم والعلماء والجند وحفر الآبار وإجراء الأنهار وعابري السبيل والمنقطعين والمعاقين بمختلف فئاتهم والأيتام واللقطاء وعلى الأطفال الرضع؛ بل وعلى الحيوانات الضالة والصبيان الذين انكسرت أوانيهم، ومجالات تفوق الحصر والعد وتعكس تفكيراً إنسانياً راقياً وتوجهاً حضارياً مثمراً وتكافلا إسلامياً متميزاً، وتعجبت كيف غفل الأبناء عما بادر إليه الآباء، وكيف تناسى المسلمون حتى سبقهم الآخرون.
ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، فقد اطلعت في موقع”وقفنا”على نتائج دراسة علمية أعدت في إحدى كبرى الدول الإسلامية التي تذخر آثارها الإسلامية بأوقاف رصدت على مر العصور، أشارت إلى أن الغالبية من أبناء هذا الشعب المسلم يجهلون معنى الوقف وأحكامه وآثاره وثماره، فأيقنت أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأدركت أن من واجب كل منا السعي لإحياء هذه السنة شبه المهجورة،بالتعريف بها والترغيب فيها؛ والدعوة إليها على أوسع نطاق، خاصة وقد كثر في عصرنا الأثرياء بفضل ما أفاءه الله على العديد من بلاد المسلمين من موارد طبيعية وبشرية، بالإضافة إلى التطورات الاقتصادية التي أدت إلي تسهيل عملية الوقف، وجعلها متاحة لأي مستوً من العطاء، فمن السهولة على أي منا أن يودع ألف ريال في محفظة استثمارية بمصرف إسلامي ويجعلها وقفاً ينفق عائده على ما يستحسنه من وجوه البر والإحسان وخدمة المجتمع، ومن يكثر فالله أكبر وأكثر.
فلننصب أنفسنا دعاة لهذا الخير العميم والدال على الخير كفاعله، وبالتالي يصبح كل منا داعياً للوقف، فكيف يصبح واقفاً للدعوة؟، الدعوة من أهم وأجل واجبات المسلم، كيف لا وقد جعلها الله مهمة الأنبياء صفوته من خلقه؟، والدعوة في عصرنا صارت آكد وأوجب على كل مسلم، في عصر تواصل فيه الناس وتنوعت مشاربهم ومذاهبهم، وصار كل صاحب نحلة يدعو لها جهاراً نهاراً بغثها وسمينها، وأصبح الجهل بديننا سدا يصد عنه، وضعف التمسك به بين أبنائه وقلة العمل بأحكامه الشرعية وآدابه المرعية يحول دون رفعته ونصرته وما أراده الله له من ظهور على الدين كله، ومن هنا يتأكد وجوب الدعوة على كل مسلم كل على قدر استطاعته وبحسب تخصصه، فمن لم يستطع الدعوة إلى الله بقلمه أو لسانه؛ فليدع بماله، والوقف يتيح ذلك لكل راغب، ومجالات الوقف للدعوة كثيرة،وما الكاتب بأعلم بها من القارئ، فمنها بناء المساجد؛ ترميمها وفرشها وتجهيزها، طباعة الكتب والأشرطة وترجمتها وتوزيعها، توزيع المصاحف وترجمة معانيها؛ كفالة الدعاة والأئمة؛ دعم مراكز الدعوة والإرشاد ومكاتب دعوة الجاليات؛ دعم حلقات تحفيظ القرآن؛ إقامة مسابقات العلم الشرعي وحفظ القرآن، وغيرها الكثير المتاح لمن يعزم ويقرر ويبادر، فكلنا مطالب بالتنافس في هذا الخير، فكن داعياً للوقف وواقفاً للدعوة.