لقد قدر لذلك الجيل القرآني الفريد أن يصحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وينعم برؤيته، والارتواء من أقواله، والتمثل بأخلاقه وأفعاله..
لذا ظل جيل الصحابة نموذجاً فريداً لن يتكرر ثانية؛ فقد أضاء في سماء البشرية لفترة فملأ الأرض بهاء وصفاء.
لقد صحب أناس من قبلهم الأنبياء والمرسلين، ولكنهم لم يصلوا إلى نموذج صحابة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فبنو إسرائيل الذين صحبوا موسى ـ عليه السلام ـ، وعاشوا معه المحن والبلاءات، وأراهم الله معجزة فلق البحر وغرق فرعون، ما لبثوا أن انقلبوا على أعقابهم فور نجاتهم، وقالوا لموسى ـ عليه السلام ـ: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، بل لم يستحوا أن يتبجحوا بالقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا إننا هاهنا قاعدون).
لكن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهدوا معه المشاهد، وخاضوا معه الأهوال، ولسان مقالهم يعلن بكل وضوح: “صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت “.. لذا؛ حازوا الخيرية المطلقة، فعن ‏عمران بن حصين ‏- ‏رضي الله عنهما – قال: ‏قال رسول الله -‏ صلى الله عليه وسلم -: “‏خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”. ‏قال ‏عمران‏: “‏فلا أدري أَذَكَرَ بعد ‏‏قرنه ‏‏قرنين ‏‏أو ثلاثة.. ‏ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يَفُوْن، ويظهر فيهم السِّمَن “..
وفي وسط ذلك الجيل البديع برز ذو النورين، عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، نبع الخير المتدفق، وأحد الرواد الأوائل في العمل الخيري، إن لم يكن رائده الأول؛ فقد أعطى بلا حساب أو تفكير، وظل ماله وما يملك ملكا للمسلمين جميعا، يسد به الحاجات، ويقيل العثرات، ويعين على نوائب الأيام واشتداد الأحوال.
فضل عثمان ـ رضي الله عنه –
جمع الله لعثمان ـ رضي الله عنه ـ من الفضائل والمكارم ما جعله أحد المبشرين بالجنة والظفر بشرف مصاهرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد تزوج بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رقية ـ رضي الله عنها ـ، فلما توفيت زوَّجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم – أم كلثوم ـ رضي الله عنها ـ، فتوفيت ـ أيضاً ـ في صحبته، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: “لو كان عندنا أخرى لزوجناها عثمان”. يقول الحسن البصري ـ رحمه الله ـ تعقيباً: “إنما سمي عثمان ذا النورين؛ لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبيّ غيره”.
وعن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه – قال: كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم – في حائط من حيطان المدينة (أي بساتينها) فجاء رجل فاستفتح (أي استأذن بالدخول)، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: “افتح له وبشره بالجنة”. ففتحت له فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فحمد الله. ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “افتح له وبشره بالجنة”. ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فحمد الله. ثم استفتح رجل فقال لي: “افتح له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه”. فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان. [متفق عليه].
ولما صعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الجبل (جبل أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف (أي الجبل) فقال: “اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان”. [رواه مسلم].
إنفاق من لا يخشى الفقر
كان عثمان ـ رضي الله عنه ـ ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر؛ فقد أوتي المال الوفير والعطاء الجزيل، وكان صاحب ثروة وجاه في قريش، فأعطى الدرس لأغنياء الأمة من بعده في كيفية استعماله في مرضاة الله والإنفاق ابتغاء ثوابه، وهذا بيان ببعض إنفاقه ـ رضي الله عنه ـ:
تجهيز جيش العسرة:
وذلك في غزوة تبوك، وكانت شدة الأحوال هي التي تميز تلك الغزوة، ومنها قلة الأموال؛ فتبرع عثمان ـ رضي الله عنه ـ بتجهيز جيش المسلمين، فقد أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يحث على جيش العسرة. فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حض رسول الله على جيش العسرة مرة أخرى، فقال: يا رسول الله علي مائتي بعير بإحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حض رسول الله على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله عليّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. فنزل رسول الله وهو يقول: “ما على عثمان ما عمل بعد اليوم”. قال ابن إسحاق‏: “‏ أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها”‏.‏ وقيل‏:‏ “جاء عثمان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العُسرة فنثرها في حجر رسول الله”.‏‏
حفر بئر رومة:
فعن بشر بن بشير الأسلميّ عن أبيه قال: “لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمُدّ، فقال رسول الإسلام:”تبيعها بعين في الجنة”. فقال: ليس لي يا رسول الله عين غيرها؛ لا أستطيع ذلك. فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة و ثلاثين ألف درهم، ثم أتى نبي الإسلام فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟ قال: “نعم”. قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين”.
وعن عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: “أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ألستم تعلمون أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “من حفر رومة فله الجنة” فحفرتها؟… [الحديث رواه البخاري].
توسعة مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
ففي الصحيحين :لما أراد عثمان – رضي الله عنه – بناء المسجد، كره الناس ذلك، وأحبوا أن يدعه على هيئته، فقال: “إنكم قد أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من بنى مسجدا لله تعالى ـ قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله – بنى الله له بيتا في الجنة”. وروى البخاري في صحيحه أن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ غيّر في المسجد النبوي الشريف، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالصاج، بعد أخذه الموافقة بالزيادة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ.
هذا النموذج الرائع في العمل الخيري والإنفاق في سبيل الله تعالى يجب أن نعيد التذكير به، فقد ساهم عثمان ـ رضي الله عنه ـ بماله في تمويل المشاريع الكبرى في دولة الإسلام، كتجهيز الجيوش، وحفر الآبار، وتوسعة المساجد، أي أنه كان يقوم بما تقوم به الدول الآن، وهو ما يجب أن يستقر في وعي أغنياء الأمة وموسريها الذين أفاء الله عليهم بالمال الوفير.
نهاية حزينة لحياة عظيمة
وقد آثرت اقتطاف مشهد من نهاية عثمان ـ رضي الله عنه ـ، ذلك الرجل الذي أعطى بلا حساب، ناهيك عن صحبته لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتزوجه من ابنتيه، ولكنه اغتالته الشائعات والأهواء في قصة طويلة مؤلمة، ففي مشهد النهاية: “حمل عليه كنانة بن بشر، وضربه بعمود على رأسه، فخرّ ـ رضي الله عنه ـ على جنبه، وهمّ كنانة الملعون بالسيف ليضربه في صدره، فانطلقت السيدة نائلة بنت الفرافصة تدافع عن زوجها، ووضعت يدها لتحمي زوجها من السيف، فقُطعت بعض أصابعها بجزء من كفها، ووقعت السيدة نائلة ـ رضي الله عنها ـ.
وطعن كنانةُ عثمانَ ـ رضي الله عنه ـ في صدره، ثم قام سودان بن حمران بحمل السيف، وطعن عثمان ـ رضي الله عنه ـ في بطنه، فمال ـ رضي الله عنه ـ إلى الأرض، فقفز على بطنه، واتّكأ على السيف بجسده ليتأكد من اختراق السيف لجسد عثمان ـ رضي الله عنه ـ، ومات ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه بعد هذه الضربة.
ثم قفز عليه عمرو بن الحمق، وطعنه في صدره تسع طعنات، وقال: “هذه الثلاثة الأولى لله، وهذه الست لشيء في نفسي”.
ولو صدق ابن الحنق لقال إن التسع طعنات لما في نفسه الخبيثة، فمحال أن يرضى الله تعالى عن قتل ولي من أوليائه، وواحد ممن أعطى ماله كي يتزكى.