عرضنا في مقالات سابقة لمفهوم وطبيعة العمل الخيري والتطوعي(*), وبينا أن هناك إمكانية لمساهمة الجميع فيه, لا بتلبية الحاجات الآنية فقط للمحتاج لها (من مجرد التبرع لتوفير وجبة غذاء أو كساء… إلخ ذلك), بل يتعداها إلى المساهمة في تعليمه وتدريبه، وفتح فرص عمل له كي يوفر لنفسه ومن يعول حاجاته الأساسية بالاعتماد على ذاته (لا تعطني سمكة, بل علمني كيف أصطادها). من هذا المنطلق, يمكن الإفادة من آليات العمل الخيري في إحداث التنمية المستدامة، وتحقيق أهدافها. لكن قبل ذلك يحسن توضيح المقصود بمفهوم التنمية المستدامة وأهدافها.
يتسم مفهوم التنمية المستدامة (sustainable development) بالتعقد؛ نظرا للجدل الحاد بين من يضعوا جل تركيزهم على مفهوم الاستدامة (sustainability) ، ومن يرون أن الأهم هو التنمية (development) (1). وفي محاولة لإيجاد حل توفيقي بين هاتين الرؤيتين, فقد تبنى الكثيرون مفهوما يحاول الموازنة بين المطلبين، وهو الذي ينظر للتنمية المستدامة على أنها التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون التضحية بقدرة الأجيال المستقبلية على تلبية حاجاتها (2). ويتضمن هذا التعريف مفهومين أساسين: مفهوم الحاجات (needs)، خاصة الحاجات الأساسية لفقراء العالم، التي لا بد أن تحتل المرتبة الأولى في قائمة الأولويات. وفكرة الحدود (limitations) المفروضة من قبل الدولة والمنظمات الاجتماعية على قدرة البيئة على تلبية حاجات الحاضر والمستقبل.
وعلى هذا, فإن أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا بد من تعريفها في ظل مفهوم الاستدامة لكل الدول المتقدمة والنامية, القائمة على آليات السوق أو المركزية. وقد تختلف التفسيرات، لكن لا بد أن تشترك كل تلك الدول في سمات عامة، ولا بد أن يكون هناك اتفاق حول المصطلح الأساسي (3). وقد كانت تعريفات التنمية تميل للتركيز على توفير الموارد اللازمة للسلع، سواء البنية التحتية أو الإسكان، وما إلى ذلك. بمعنى أن التنمية كانت تقاس غالبا بمقاييس مالية، مثل: نصيب الفرد من الناتج الوطني الإجمالي. أما في العقود القليلة الماضية, فقد كان هناك تحول كبير نحو تضمين القضايا الاجتماعية في مفهوم التنمية. ويتضح ذلك في المعاهدات البيئية الدولية التي تحدد ثلاثة محاور رئيسة لعملية التنمية: المحور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي (4). ويميز ” باربير”(Barbier) بين رؤيتين للتنمية الاقتصادية: أولاهما تركز على الحاجات الأساسية مع التأكيد على مساعدة الفقراء, والثانية ترى أن التنمية الحقيقية لا يمكن تحقيقها دون أخذ البعد البيئي في الاعتبار, ومراعاة القيم الاجتماعية والثقافية المحلية، ومشاركة كل المعنيين بأمر التنمية (5).
ويتضمن الالتزام بتلبية حاجات الأجيال الحاضرة والمستقبلية عدة محاور يمكن لآليات العمل الخيري التطوعي أن يكون لها دور فيها؛ من هذه الحاجات: (1) الحاجات الاقتصادية، بما في ذلك حق الحصول على مستوى معيشي جيد أو أصول إنتاجية، وكذلك الأمان الاقتصادي في حالة البطالة أو المرض أو العجز أو أي معوقات أخرى تحول دون تأمين حياة كريمة للفرد. (2) الحاجات الاجتماعية والثقافية والصحية، بما في ذلك وجود سكن صحي آمن يمكن تحمل تكاليفه، مع توفير الخدمات الأساسية للمنطقة السكنية من مياه، وصرف صحي، وكهرباء، ورعاية صحية، وتعليم، ورعاية للطفل، وحماية من الكوارث والمخاطر البيئية. كما لا بد أن تلبى الخدمات الحاجات المحددة للأطفال وللكبار. ويتضمن تحقيق ذلك توزيعا أكثر عدلا للدخل بين الأوطان وفي داخل الوطن الواحد. (3) الحاجات السياسية؛ ومنها حرية المشاركة في السياسات الوطنية والمحلية، وفي صناعة القرارات ذات الصلة بإدارة وتنمية مسكن الشخص ومنطقته السكنية في ظل إطار أعم يؤكد على احترام الحقوق المدنية والسياسية، وتنفيذ القوانين البيئية (6). (4) الحاجات البيئية: فالنظام البيئي الذي يمكنه الدوام لا بد أن يحافظ على قاعدة موارد ثابتة، ويتجنب الاستغلال المفرط لنظم الموارد المتجددة والعناصر البيئية، وعدم استنزاف الموارد غير المتجددة إلا بقدر يجعل من المتاح الاستثمار في بدائل مناسبة. ويتضمن ذلك ـ أيضا ـ الحفاظ على التنوع البيولوجي واستقرار المناخ والوظائف البيئية(7).
وحتى يتسنى إحداث تغيير دائم وتأثير لا يقف عند الأثر اللحظي للتبرع, فلا يجب أن تقف المؤسسات الخيرية عند حد المنح الفورية المتبعة في المشروعات التقليدية، بل إنها تسعى للمساهمة والتواصل الفعال لمنطلقات جديدة وغير رسمية للقضايا والمشكلات, ويكون لها نشاط بارز في دعم وتشجيع الحوار والعمل مع الآخرين. فتقديم المنح والتبرعات هو مجرد الخطوة الأولى لعملية طويلة المدى، وهو استراتيجية واحدة بين قائمة طويلة ومعقدة من العمليات، فالمؤسسة هنا تنطلق من المخرجات التي تود الحصول عليها والهدف الذي تبغي تحقيقه، وهذا الهدف والمخرجات هي التي تحدد الاستراتيجية التي تتبعها وهي تدعم المبادرة وتشجع على المجازفة, وتقوم على أساس أن تقديم المنحة أو التبرع لا يكون دائما السبيل الأمثل للقيام بما يجب وتحقيق الأهداف (8).
وفي العمل الخيري الذي ننشده, يتم توجيه التبرعات للمنظمات التي تدافع عن الاهتمامات والمصالح المشتركة للجماعات المهمشة وغير الممثلة، وهنا يكون الفقر مفهوما محوريا ذا دلالة؛ حيث ينظر إليه على أنه نتيجة للتوزيع غير العادل للموارد والسلطة في المجتمع, وأن الجماعات المستضعفة يجب تزويدها بالأدوات التي تعينها على تحدي الواقع, وعلى أن يكون لها صوت في القرارات التي تمسها وتؤثر على ظروفها الحياتية. وهذا يختلف كثيرا عن النموذج التقليدي للعمل الخيري، الذي يتم فيه التصدق على الفقراء ببعض مال النخبة والأغنياء (9).
كما أن هناك قيما أصيلة تحدد مفهوم العمل الخيري من هذه الوجهة الهادفة لإحداث العدالة الاجتماعية, ومنها: العدالة، والمساواة الاقتصادية، والحرية، وإمكانية الوصول للسلطة. وهو يصمم لبناء مجتمع يحظى كل أفراده بفرص المشاركة الكاملة والمتساوية, ويستطيع كل أفراده الحصول على الموارد، وأن يكون لهم صوت مؤثر في صناعة السياسات العامة. والعمل الخيري من هذا المنطلق الداعم للتغيير الاجتماعي يسعى لحراك كل أفراد المجتمع نحو رؤية لمستقبل أفضل، ويدعو للتمسك بالقيم والمعتقدات، ويدافع عن التوزيع العادل للموارد والثروات في المجتمع، ويعمل على إحداث التغيير الاجتماعي الذي يصب في خانة الفقراء والمستضعفين, ويمر فوق الفروقات الاجتماعية والسياسية والثقافية ليعزز التغيير البناء. والاهتمام في هذه الرؤية ينصب على التصدي للظلم الاجتماعي، ومعالجة الأسباب الجذرية, وإحداث التغير المؤسساتي, وتوفير وسائل وآليات الحصول على الموارد والفرص, والسعي نحو الاكتفاء الذاتي للمجتمع, وتعزيز وتأهيل الكوادر القيادية, والتنوع, والمحاسبية, وسيطرة المجتمع على مشروعاته المختلفة (10).
فلمنظمات المجتمع المدني دور لا يمكن تجاهله في عملية التنمية, ففي دراسة قام بها “سالامون وآنهيير”ٍ(Salamon & Anheier) اعتمدا فيها على بيانات تم جمعها من ثماني دول، هي: الولايات المتحدة, إنجترا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، السويد، المجر، واليابان, لوحظ أن لمؤسسات المجتمع المدني دورا فاعلا في العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. فبالنسبة للبطالة والتوظيف، قامت المؤسسات المدنية في تلك الدول بتوظيف 11 مليون شخص ( بدوام كامل)، بما يمثل نسبة (1من 20) من نسبة التوظيف الكلي بالنسبة للإنفاق على الدعم والمساعدات, الذي كان في الفترة 1990-1992، في الدول التي تم جمع البيانات منها، يقرب من 614 مليون دولار. كما كان لتلك المؤسسات إسهام – فضلا عن توظيف الكثير من العمالة وتوفير فرص عمل جديدة ـ في مختلف الأنشطة التي تنخرط فيها، مثل: الخدمات الصحية، ودعم السكن والمأوى، ورعاية الأطفال والجامعات، ودعم التعليم الابتدائي والثانوي(11).
وقد كشفت دراسة الشبكة العربية، والتي صدرت في 1999م، أن المنظمات الأهلية العربية تشكل قوة اقتصادية كبرى من منظور حجم إنفاقها على مشروعاتها، ومكونات الأنشطة، وعدد المتطوعين وقيمة عملهم، وفرص العمل، وعدد المستفيدين، إضافةً إلى تأكيدها بأن حجم إسهام المتطوعين مهم ورئيسي مع غياب البيانات الشاملة لتحديد حجم الإسهام بدقة. كما أبرزت النتائج تعاظم عدد المستفيدين من خدمات المنظمات الأهلية في مختلف دول الدراسة، وهو ما يؤكد أن القطاع الخيري الأهلي قطاع ثالث ـ إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص (12) ـ يجب استغلاله بالشكل الأمثل للتقدم في عملية التنمية المستدامة.
ومن الأمثلة الجيدة على المشروعات الكبرى التي تقوم على فكرة التبرع، مستشفى سرطان الأطفال، أو مستشفى (57357)، أحد أكبر مستشفيات الأطفال في العالم, يقع في القاهرة بمصر، ويختص في علاج سرطانات الأطفال. ويتميز هذا المستشفى بكونه بني عن طريق التبرعات مع حملة دعائيّة كبيرة صاحبت بناءه، فقد قامت “جمعية أصدقاء معهد الأورام” بحملة منظمة لجمع التبرعات لتغطية تكاليف المشروع؛ فوظفت طاقم خبراء من مصر وكندا والولايات المتحدة الأمريكية لجمع التبرعات، واعتمدت الجمعية في جمع التبرعات على الحملات الميدانية والإعلامية، والزكاة، والتبرع المباشر من الأفراد والشركات، والهبات، والدعم المحلي والخارجي، وتم دعم المشروع بالكثير من الطرق، منها: إعلانات لاعبي الكرة والممثلين في التلفزيون المصري والقنوات الفضائية لحثّ الناس على التبرع، وعمل حسابات مفتوحة في البنوك، وتبرعات عن طريق الإنترنت والاتصال بالتلفون الثابت والمحمول، وتم تنظيم حملات لجمع التبرعات في المدارس والجامعات (13). ونظرا لأن العمل الخيري التطوعي لا يتمخض عنه مخرجات ملموسة فقط, بل إنه يمنح الفرد كذلك شعورا بالرضا الذاتي والمساهمة في تقدم المجتمع؛ فانه وسيلة هامة لترويج القيم الإنسانية كالكرامة، والإيثار، واحترام الذات.

المراجـع:
(*) راجع: مهدي محمد القصاص, سلسلة ثقافة الخير, المركز الدولي للدراسات والأبحاث (مداد).
1- McDonald, Robert, Sustainable development as freedom, International Journal of Sustainable Development & World Ecology Vol. 13, 2006, p. 445.
2- UN, Our Common Future, “Chapter 2: Towards Sustainable Development”, Report of the World Commission on Environment and Development, UN Documents, 1987. p. 1.
3- Ibid.
4- McDonald, Robert, op cit, p. 446.
5- Barbier, E. The Concept of Sustainable Economic Development, Environmental Conservation, Vol. 14, No. 2, 1987.
6- Barry Dalal-Clayton, What is Sustainable Development, Retrieved May, 11, 2009, from
http://www.docstoc.com/docs/2303638/…LE-DEVELOPMENT
7- Harris, Jonathan M. Basic Principles of Sustainable Development, Working Paper No. 00-04, Global Development and Environment Institute, Tufts University, Medford, 2000, p. 6.
8- Anheier, Helmut K. and Leat, Diana, Creative Philanthropy: Toward A New Philanthropy For The Twenty-First Century, London, New York: Routledge, 2006, p.7.
9- Shaw, Aileen, Social Justice Philanthropy: An Overview, the Synergos Institute, New York, 2002, pp. 2-3.
10- Ibid, pp. 7-8.
11- Salamon, Lester M. and Anheier, Helmut K. The Civil Society Sector, Journal of Society: Vol. 34, No. 2, January 1997, pp. 62-63.
12- عمر بن نصير البركاتي الشريف, الأثر الاقتصادي للأعمال التطوعية, بحث مقدم لندوة العمل التطوعي وتأثيره في التنمية الاقتصادية, الرياض ـ 6/4/1429هـ, ص6.
13- مستشفى 57357, ويكيبديا الموسوعة الحرة, تم الرجوع إليه في 20 يونية 2010

د. مهدي محمد القصاص