عند النظر إلى بدايات تنظيم الحوكمة في القطاع الخاص منذ صدور القواعد البريطانية لحوكمة الشركات عام 1992م ثم صدور مبادئ حوكمة المؤسسات من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 1999م وما تلاها من قواعد نجد أنها بُنيت لمعالجة هيكل تنظيمي في أعلى قمته (مالك) يسعى من خلال جمعية المساهمين إلى ضمان حقه ومصالحه التي يرعاها (مدير) ويريد أن يتأكد من أن المشرف المتمثل في (مجلس إدارة) والمدير المتمثل برئيس تنفيذي يسعون لتحقيق مصلحة الملاك لا مصالحهم الشخصية، ولهذا صيغت العديد من مبادئ الحوكمة لضبط العلاقة بين هذه المستويات الثلاث:

  • الأول: المستوى الرقابي؛ مستوى الملاك، وهو صاحب السلطة العليا، المختص باتخاذ القرارات الجوهرية التي تتجاوز سلطات مجلس الإدارة، ويمثله (الجمعية العامة) وسأصطلح – في هذه المقالة – على تسميته بـ”المستوى الرقابي” للإشارة إلى دوره – غير التنفيذي – المتعلق بالحوكمة ولأن هذا الوصف أقرب لطبيعة العمل غير الربحي.

  • الثاني: المستوى الإشرافي؛ وهو السلطة الحاكمة ويمثله مجلس الإدارة المنتخب من الجمعية العامة، وهو المسؤول عن قيادة الشركة واستراتيجيتها ومتابعة أداء الإدارة التنفيذية.

  • الثالث: المستوى التنفيذي؛ المتمثل بالرئيس التنفيذي وسائر القيادات التنفيذية.

الهيكل التنظيمي لحوكمة الجمعيات الخيرية:

عندما انتقل مفهوم الحوكمة إلى المنظمات غير الربحية – لكونها منظمات مالية في الأساس – بُنيت مبادئ الحوكمة بنفس الفكرة مع فارق جوهري يكمن في غياب المالك الحريص على ماله وحقوقه الخاصة ليحل محله (جمعية عمومية تطوعية) تراقب وتسائل وتعين وتعزل وتتخذ القرارات الجوهرية، فحافظنا على التركيبة الأساسية لهيكل الحوكمة، إذ لا يمكن تصور هيكل تنظيمي للحوكمة لا يتوفر فيه هذه المستويات الثلاث: الأول رقابي غير تنفيذي والثاني إشرافي والثالث تنفيذي، أو على الأقل المستوى الأول والثالث، وهذا ما نلاحظه مثلاً في هيكلة الجمعيات والمؤسسات الخيرية في المملكة العربية السعودية، والجدول التالي يوضح الهياكل التنظيمية للحوكمة في الجمعيات الخيرية في المملكة مقارنة مع الشركات المساهمة:

نوع المنظمةالمستوى الرقابيالمستوى الإشرافيالمستوى التنفيذي
الشركات المساهمةالجمعية العامةمجلس الإدارةالمدير التنفيذي
المؤسسة الأهليةالمؤسسونمجلس الأمناءالأمين العام / المدير التنفيذي
صندوق العائلةمجلس العائلةمجلس الأمناءالأمين العام / المدير التنفيذي
الجمعية الخيريةالجمعية العموميةمجلس الإدارةالمدير التنفيذي
الجمعية التعاونيةالجمعية العموميةمجلس الإدارةالمدير التنفيذي
لجنة التنمية الاجتماعية=مجلس الإدارةالمدير التنفيذي

تعتبر الجمعيات التعاونية أقرب هذه الجمعيات للشركات المساهمة نظرا لوجود المساهمين في الجمعية العمومية، بخلاف بقية النماذج، مع ملاحظة أن نظام المؤسسات الأهلية لا ينص صراحة على الدور الرقابي للمؤسسين (في المؤسسات الأهلية) أو مجلس العائلة (في الصناديق العائلية)، كما يلاحظ أيضاً غياب المستوى الرقابي في تنظيم لجان التنمية الاجتماعية الأهلية.

الهيكل التنظيمي لحوكمة الوقف:

الأوقاف هي أحوج الجهات غير الربحية إلى مفهوم الحوكمة، والتاريخ والتجارب تشهد بوجود تسلط على الأوقاف من النظار، أو إساءة تصرف عن قصد أو غير قصد، خاصةً إذا مات الموقِف وغاب الموقَف عليهم عن المشهد؛ إلا أننا عندم ننظر إلى هيكلة الأوقاف نجد أن الصورة أكثر تعقيداً، فالأوقاف ليس لها هيكل تنظيمي ثابت! فأحياناً نجد ناظراً وحيداً في الوقف، ربما يكون هو الواقف نفسه، وأحيانا يتولى مجلس النظارة إدارة الوقف، وأحيانا نجد مجلساً إشرافياً أو جمعية عمومية ضمن هيكلة الوقف، وأحيانا نلاحظ أن مجلس النظارة يلعب الدور الرقابي وقد أسند المهام التنفيذية إلى لجان ومجالس إدارة وقيادات تنفيذية، كما أن أعيان الأوقاف تؤثر أحياناً على هيكلتها (مثلا: وقف كامل حصص شركة مساهمة، يختلف في تركيبته وهيكلته عن وقف أسهم أو عمارة لا يتجاوز ريعها مئة ألف ريال).
الجدول التالي يوضح نماذج لأبرز الهياكل التنظيمية للأوقاف بناء على ممارسات موجودة في الواقع:

منوع المنظمةالمستوى الرقابيالمستوى الإشرافيالمستوى التنفيذي
1أوقاف متحدة جمعية عمومية، لجنة مراجعةمجلس نظارةأمين عام، لجنة استثمار، لجنة منح
2شركة مساهمة موقفةمجلس نظارة، لجنة مراجعةمجلس إدارةرئيس تنفيذي
3وقف استثماري كبيرجمعية عمومية، لجنة مراجعةمجلس نظارةأمين عام، لجنة استثمار، لجنة منح
4أوقاف صغيرة تابعة لوقف كبيرمجلس نظارة الوقف الكبير=نظار الأوقاف الصغيرة
5وقف صغير على معيَّن "ذري"مجلس إشرافي=ناظر
6وقف استثماري متوسط=مجلس نظارة لجنة تنفيذية أمين عام، مدير استثمار، مدير منح
7شركة وقفية (ذ.م.م)=جمعية الشركاء/ مجلس نظارةمدير تنفيذي/ مجلس مديرين
8الأوقاف متناهية الصغر==ناظر/ مجلس نظارة

الجدير بالذكر أنه لا يوجد تنظيم يحدد أشكال هذه الهياكل ووضعها، ويرجع الأمر في غالب أحواله إلى قرار الواقف وأهداف الوقف ومصارفه وأنشطته وحجم أصوله.
يلاحظ أن النماذج الثلاث الأولى متطابقة مع فكرة وجود المستويات الثلاثة، وهي أحق نماذج الأوقاف بالحوكمة وأقدرها على ذلك نظراً لكبر حجمها وقيمة أصولها غالباً، يليها النموذجان الرابع والخامس حيث يتوفر فيهما مستويين فقط الأول رقابي والآخر تنفيذي، وهي تتناسب مع حجم هذه الأوقاف الصغير نسبيا، وبقية النماذج يغيب فيها المستوى الرقابي كما سيأتي بيانه.
وكما أن حوكمة الشركات تُعنَى أكثر بالشركات المساهمة دون أنواع الشركات الأخرى والمؤسسات الفردية فإن حوكمة الأوقاف يجب أن تعنى بالأوقاف الكبيرة ذات البعد الاجتماعي الواسع، وكلما قَلّ أصل الوقف وريعه كلما قلت الحاجة إلى حوكمته وضعفت قدرته على تحقيق متطلبات الحوكمة وتطبيقها.
وسأتناول فيما يأتي كل واحد من هذه النماذج بشيء من الإيجاز:

الأوقاف المتحدة:

أوضح مثال على هذا النموذج هو أوقاف الجامعات في المملكة، وتتلخص فكرتها بتأسيس وقف أساسي للجامعة، ثم تُربَط به سائر الأوقاف اللاحقة بعد التنسيق مع الجامعة (أي توقف بنفس شروط وقف الجامعة) ويكون لكل واقف مرتبط وقفه بوقف الجامعة الحق بالمشاركة في الجمعية العمومية بشرط ألا يقل الأصل الموقف عن حد معين (مثلاً: ما يعادل مئتي ألف ريال) ومن الممكن أن تربط أصوات الجمعية العمومية بقيمة الأصول الموقفة (بنظام التصويت التراكمي). ولأوقاف الجامعة جمعية عمومية يرأسها مدير الجامعة ومجلس نظارة مكون من أعضاء تعينهم الجامعة وأعضاء مستقلين تنتخبهم الجمعية العمومية، وأمين عام أو رئيس تنفيذي، ويتبع أوقاف الجامعة غالباَ شركة استثمارية. هذا النموذج سيشجع الواقفين على إيقاف الأوقاف على الجامعة ويمنحهم الطمأنينة بمآل الوقف وحوكمته مع محافظة الوقف على غايته ورسالته.
ومن الممكن النظر إلى أوقاف مشابهة بنفس الطريقة، كأوقاف الحرمين، وكذلك أوقاف العائلات الكبيرة التي يرغب الموسرون من أبنائها في التكاتف لمصلحة الأسرة، ولا يكون ذلك إلا من خلال أوقاف محوكمة يشارك جميع أفراد العائلة في تأسيسها.
وفي هذا السياق يمكن لمن أوقفوا أوقافاً متوسطة أن يجتمعوا في وقف مشترك يكون لهم بمثابة (الجمعية العمومية) التي تنتخب مجلس نظارة موحّد وتسهم في تنفيذ الدور الرقابي، ثم يدمجون أذرعهم الاستثمارية والخيرية مع المحافظة على شروط الواقفين، وبهذا يحققون الحوكمة العالية من جهة والقوة في مجالي الاستثمار والمنح من جهة أخرى، ولا يمكن لهذه الاندماجات أن تتم دون توفر بيئة محوكمة تمنح الشركاء الأمان والثقة.
ومن التطبيقات لهذا النموذج أن يكون لدى الواقف عدداً من الأوقاف الصغيرة والمتوسطة والمثبتة في صكوك وقفية مختلفة وبالتالي يعتبر كلٌّ منها كيانٌ مستقلٌ قائمٌ بذاته، فبإمكان الواقف أن يجعل في أحد هذه الأوقاف جمعية عمومية لسائر أوقافه، يتولى انتخاب مجلس نظارة موحد لكل أوقافه، مع مراعاة اختلاف مصارف الأوقاف والمحافظة على شروط كل وقف، ثم يدمج بين أذرعها الاستثمارية والمانحة بطريقة يعرفها أهل هذا الفن.

الشركة المساهمة الموقفة:

يتميز هذا النموذج بوجود الوقف ضمن كيان محوكم بنظام وزارة التجارة، فمجلس النظارة هنا يمثّل الجمعية العمومية التي تملك الشركة وتعين مجلس إدارتها ورئيسها التنفيذي، وفقا لضوابط الحوكمة في القطاع الخاص.

ويجدر التنبيه هنا على وجود اختلاف جوهري في الهيكل التنظيمي للوقف لو كان الوقف يمتلك حصةً – قلّت أو كثرت – من الشركة المساهمة، أي لا يمتلكها بالكامل لأن الشركة في هذه الحالة ستكون ذراعاً استثمارياً محوكماً مملوكاً للوقف جزئياً له فيها ممثل، وقد يكون له أذرع استثمارية أخرى، وحوكمة الشركة المساهمة – في هذه الحالة – لا تغني عن حوكمة الوقف.

وقف استثماري كبير:

مع أن الإشارة إلى الجمعية العمومية نادرة الحدوث جداً في الأوقاف الاستثمارية الكبيرة إلا أني أعتقد أن وجودها مهم جداً لهذا النوع من الأوقاف، وذلك لحماية الوقف من تسلط مجلس النظارة أو فساده أو سوء تصرفه، ولتوفير آليه واضحة لاستخلاف أعضاء المجلس في حال فناءه أو استقالته أو عزله لأي سببٍ كان. ويجب أن تَستمد الجمعية العمومية وجودها ودورها في الإشراف والرقابة والعزل والمحاسبة وقبول التعديلات الجوهرية من صك الوقفية ابتداءً. لذا أرى أنَّ من واجب المرحلة إجراء تعديلات على صكوك الأوقاف الكبيرة ومنح الجمعية العمومية هذه الصلاحية مع تحديد آلية لتعيين أعضاءها تضمن لهم الاستقلالية والرشد في اتخاذ القرار.
يعمد كثير من الواقفين إلى تولي النظارة في حياتهم أو رئاسة المجلس مع منح أنفسهم حق التصرف دون المجلس؛ كل ذلك كي يطمئنوا على رشد قرارات الوقف، والذي أقترحه للأوقاف الكبيرة في هذا الباب ألا يقحم الواقف نفسه في مسؤوليات مجلس النظارة وأن يعين الحفيظ العليم في المجلس، ويمثِّل هو الجمعية العمومية حال حياته، ثم بعد وفاته تشكَّل الجمعية من ذريته، أو من المستفيدين وفق آلية محددة، وله أن يشكل الجمعية من ذريته أو من المستفيدين حال حياته كي يطمئن على فهمهم ووعيهم بواجبهم ودورهم في الحفاظ على الوقف.

أوقاف صغيرة تابعة لوقف كبير:

ربما هذه الممارسة غير مشهورة إلا أنها موجودة بحيث يقوم الواقف بإيقاف العديد من الأوقاف الصغيرة على أنشطة محدودة (مثلاً: دار تحفيظ قرآن) ويربط هذه الأوقاف بمجلس نظارة وقفه الكبير بحيث يُلزَم نظار هذه الأوقاف برفع التقارير للمجلس ويكون له حق محاسبة الناظر وعزله أو تعيين ناظر جديد عند وفاة الأول، وفي هذه الحالة يكون لناظر الوقف الصغير كافة الصلاحيات في إدارة الوقف. وهنا نلاحظ أن الوقف الكبير يقوم بدور يشابه دور الجمعية العمومية.
والفرق بين هذا النموذج ونموذج (الأوقاف المتحدة) أنّ الاتحاد هنا أشبه بالاتحاد الكونفدرالي فهو يمنح ناظر الوقف الصغير صلاحيات وحرية في العمل وممارسة الأنشطة دون الحاجة إلى إذن الوقف الكبير، بينما في الأوقاف المتحدة لدينا مجلس نظارة وهيكل موحد، والواقف يمثل في الجمعية العمومية فقط.

وقف صغير على معيَّن (وقف ذري):

الأوقاف الذرية الصغيرة أو متناهية الصغر هي أوقاف استثمارية مخصص ريعها لذرية الواقف، وأحيانا يكون لها مصرف خيري إضافة إلى المصرف الذري، وغالبا ما يكون لها ناظر واحد يشرف عليه مجلس إشرافي، وتذكر المصادر استخدام هذا النموذج في مصر منذ عام 1899م. وهو منتشر حاليا في أوقاف منطقة الحجاز؛ حيث يسمَّى فيها (المجلس الإشرافي) الذي يراقب ويحاسب ويعين ويعزل الناظر، ونظرا لصغر حجمها ولكونها أوقاف عقارية غالباً لذا فقد تجاوزت المستوى الإشرافي إلى المستوى التنفيذي مباشرة (الناظر)، وأعتقد أنَّ هذا النموذج مناسب لطبيعة هذه الأوقاف، وحوكمتُه ممكنة جداً بشرط أن لا يُثقَل كاهل الناظر بأدوات كبيرة للحوكمة لأننا نتكلم عن مستوى تنفيذي مكوَّن غالبا من شخص واحد وموارده محدودة.

وقف استثماري متوسط:

هذا النموذج يكاد يكون هو السائد والمستخدم في كثير من الأوقاف المتوسطة؛ في هذا النموذج يقوم مجلس النظارة – غالباً – بتفويض الكثير من مهامه إلى مستويات إدارية أقل: (ترشيحات منح واستثمار ومراجعة..) ويشرف على الوقف لجنة تنفيذية أو مجلس إدارة، وللوقف مدير تنفيذي أو أمين عام ومدير للمنح وآخر للاستثمار.

لا شك أن النظارة الجماعية أفضل رشداً من النظارة الفردية، ومع أن مجلس النظارة ربما يفوِّض كثيراً من صلاحياته للإدارة التنفيذية ويقنِّن أدوات محاسبة ومراقبة للوحدات الإدارية والأشخاص داخل الوقف، إلا أن المشكلة في هذا النموذج تكمن في عدم وجود أداة داخلية لمساءلة المسؤول الأعلى “السلطة الحاكمة” الذي بيده الحل والعقد في شؤون الوقف (مجلس النظارة)، والذي غالبا ما يُمنَح – بناء على نص الواقف – قدرةً ذاتية لانتخاب نفسه وتجديد التسرب في أعضائه.

الأوقاف التي تستخدم هذا النموذج هي بين خيارين؛ إما أن تستحدث جمعية عمومية كما سبق ذكره عند الحديث عن الأوقاف الاستثمارية الكبيرة، وإما أن تتم مراقبة أداء المجلس من جهة خارجية وفقاً لمعايير حوكمة محدَّدة ومتفق عليها. ومن المقترحات لتعزيز الحوكمة في هذه الأوقاف أن تُكوَّن لجنة المراجعة ولجنة الترشيحات من أعضاء مستقلين أو من خارج المجلس.

شركة وقفية (ذات مسؤولية محدودة):

في هذا النموذج من الممكن أن تكون العين الموقفة شركة ذات مسؤولية محدودة وهو الأشهر والأفضل، ومن الممكن أن تكون عيناً أخرى (عقار، نقد، أسهم ..الخ) تمتلك شركة (ذ.م.م).
في حالات كثيرة نجد أن عدداً من الأوقاف الاستثمارية المتوسطة تستخدم هذا النموذج (وقف حصص شركة ذات مسؤولية محدودة) لمناسبة نوع وحجم أصولها لهذا الشكل القانوني، ولتتمكن من إدارة أموال الوقف بمرونة عالية وضبط محاسبي مناسب.
وفي بعض الحالات يكون الوقف وقفاً مباشراً (غير استثماري) يتمحور حول فكرة وغاية تنموية يسعى لتحقيقها، وغالباً ما يعتمد نموذج استدامته على بيع الخدمات واستقطاب الرعايات من الشركاء والمانحين، وأحيانا يتوفر لديه نشاط استثماري يغطي جزءا من مصاريفه التشغيلية، فهو بهذا يشبه الأوقاف المباشرة التي تأسست لخدمة المستفيد النهائي مباشرة كالمستشفيات والجامعات الوقفية.
ربما انتشر هذا النوع كثيراً في أوقاف النفع العام نظراً لعدم صدور نظام خاص بالشركات غير الربحية، والذي سيساعد عند صدوره على تنظيم هذا النوع من الكيانات المجتمعية، وإلى ذلك الحين فإن هذه الشركات الموقفة هي كيانات وقفية تفتقر كغيرها من الأوقاف إلى الحوكمة.
هذا النموذج يتنازعه نظام الشركات ونظام الأوقاف، ووزارة التجارة تعتبر مجلس النظارة هو المسؤول عن الشركة الوقفية الذي حل محل جمعية الشركاء، إضافة إلى مسؤولية المدير التنفيذي أو مجلس المديرين، لكن في نفس الوقت يمكن لمجلس النظارة أن يبني هيكلة خاصة به لإدارة الشركة (مثلا: مجلس إدارة، لجنة مراجعة..) ويوائمها مع نظام وزارة التجارة.
المشكلة تكمن في أن الشركات المحدودة أُسِّست على مبدأ اتحاد الإدارة مع الملكية، ووزارة التجارة تتعامل مع الشركات الوقفية وفقاً لهذا المبدأ، وواقع الحال أن مجلس النظارة المسؤول عن الشركة الوقفية هو غير مالك لها، وإنما أمين عليها، ويفتقر إلى أداة رقابية داخلية للتأكد من عنايته واهتمامه بهذا الوقف. ولتعزيز حوكمة الوقف بإمكان الواقف إدخال جمعية عمومية ضمن هيكلة الوقف تكون مسؤولة عن رقابة مجلس النظارة، وكذلك بالإمكان تعيين لجنة المراجعة ولجنة الترشيحات من خارج المجلس، لكن تظل مشكلة محدودية الموارد المالية لأوقاف النفع العام معوقاً رئيساً تجاه تطبيق الحوكمة.

الأوقاف متناهية الصغر:

تشكل هذه الأوقاف النسبة الكبيرة من الأوقاف في المملكة وأغلبها أوقاف عقارية، فقلّ أن تجد أسرةً إلا ولديها أوقافاً متناهية الصغر، بل لا تكاد تمشي في أي شارع إلا ويصادفك وقف عقاري أو أكثر، سواء أَوقَف الواقفُ وقفَه منجزاً في حياته أو كان الوقف جزءاً من وصيته، وسواء كان هذا الوقف استثمارياً أو وقفاً مباشراً (مثلاً: لو أوصى بوقف بيته يسكنه المحتاج من ذريته، أو مبنى يستخدم داراً لتحفيظ القرآن).
أكثر هذه الأوقاف متناهية الصغر، وبعضها ليس له إيرادات، والناظر فيها – غالباً – محتسب لا يتقاضى أجرة، وبعضها – خاصةً الوصايا – غير مثبتة لدى المحكمة، وبعضها يوقفها الواقف ويعين نفسه ناظراً عليها ويشترط استفادته من غلتها حال حياته فأشبه الوقف هنا تملك المنفعة.
وبشكل عام فإن الأوقاف متناهية الصغر لا يُطيق نظارتها إلا محسِنٌ من ذرية الواقف يرجو بِرّ والديه – خاصةً إذا كان الوقف ذُرياً – أو محتسِبٌ إذا كان الوقف للنفع المباشر (مثلاً: ابن الواقف كناظر لمزرعة نخيل صغيرة، إمام الجامع كناظر لوقف ملحق تعليمي بالمسجد..) وفي كل الأحوال نحن نتكلم عن كيانٍ لا يمكن إدارته إلا من شخص واحد ولو أبعدناه عن الوقف لربما أدى ذلك إلى موت الوقف وانقطاع منفعته ولو طالبناه بمتطلبات حوكمة تثقل كاهله سيرفع راية (ما على المحسنين من سبيل) إضافة إلى أن الحوكمة لها كلفة قد لا تستطيع هذه الأوقاف تغطيتها، وفي نفس الوقت لابد أن نؤكد أن هذه الأوقاف عرضة لإهمال النظار أو تسلطهم أو إساءة تصرفهم خاصةً مع تعاقب الأجيال.
عندما نتكلم عن حوكمة الأوقاف يجب ألا ننسى هذا النوع من الأوقاف، وينبغي أن نتساءل ما هو الحد الأدنى من الحوكمة الذي يحقق لهذه الأوقاف القرار الرشيد ويضمن لها حمايتها واستدامتها.

الخلاصة:

مما سبق يتضح أننا لا نستطيع النظر إلى حوكمة الأوقاف كما لو كانت نموذجا موحّداً، بل يجب أن نصنفها إلى فئات، ونحوكم كل صنف بالأدوات المناسبة، وأعتقد أنه عند السبر والتقسيم سنخلص إلى التصنيفات التالية:

  • فئة (أ): أوقاف لديها جمعية عمومية ومجلس نظارة ورئيس تنفيذي: فهذه “ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ” تحتاج منا فقط أن نبني لها نظام حوكمة متوائم معها، ثم هي أقدر الفئات بتطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والإفصاح (نموذج حوكمة الشركات).

  • فئة (ب): أوقاف لديها مجلس نظارة: فهذه تحتاج أن نساعدها ببناء معايير للحوكمة محددة ومقيسة، ثم نكلف جهات استشارية بتقييمها دورياً، ونتدرج معها حتى تصل إلى مرحلة عالية من النضج (نموذج حوكمة الجمعيات الخيرية).

  • فئة (ج): أوقاف لديها مجلس إشرافي وناظر: وهذا النوع يحتاج إلى بناء نظام مبسَّط للحوكمة يساعدها في تحقيق الرشد والاستدامة، ويضمن لها الالتزام والضبط المالي، ومن الممكن التعامل معها بنفس (نموذج حوكمة الجمعيات الخيرية).

  • فئة (د): أوقاف لها ناظر واحد: هذه نسعى إلى تحسينها قدر الإمكان، وتحسين فئتها مع تحقيق الحد الأدنى من الضبط المالي (نموذج الزكاة والدخل مع المؤسسات الفردية).

  • فئة (هـ): أوقاف ناظرها الواقف واشترط استفادته من ريع الوقف حال حياته: فهذه أقل الفئات حاجة للحوكمة بسبب التقارب الكبير في الملكية (ملكية المنفعة) والإدارة. فأشبهت المال الخاص من وجه.

ومن الممكن أن نربط حجم الأصول بهذه الفئات؛ فنقول مثلا: إذا اجتمع لفئة (أ) أصل كبير فهذا يعني حوكمة أدق، أو إذا بلغ الأصل إلى حجم محدد فيجب أن ينتقل الوقف إلى فئة محددة.

ختاماً..

أرجو أن أكون قد وفِّقت في إلقاء الضوء على التنوع الموجود في القطاع الوقفي وعلاقة هياكله التنظيمية بالحوكمة والأدوات المناسبة لذلك.

انظر أيضا