بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من محاسن شريعتنا الإسلامية الداعية إلى الخير والآمرة بالمعروف أن حثَّت على التكافل الاجتماعي، وبثَّت روح التعاون والتكاتف بين الناس، فالإنسان في المجتمع الإسلامي يعيش في جماعة يشد بعضها بعضاً، وقد رتبت الشريعة الأجور الجزيلة على من يسعى في هذا الشأن، والنصوص الشرعية متضافرة للدلالة على ذلك، وقد قرَّرَت أنَّ أحقَّ الناس بهذا التكافل والتعاون هم الأقرب للإنسان رحِماً، ومما يدلُّ على ذلك ما ورد في صحيحي البخاري (2758) ومسلم (998) أنه لما نزل قول الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} جاء أبو طلحةَ -رضي الله عنه- ورسول الله ﷺ على المنبر، فقال: إن الله يقول {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحبَّ أموالي إلي بَيْرُحَاء -وهو بستان كان النبي ﷺ يدخله ويشرب من مائه ويأكل من تمره- فهي لله ولرسوله، أرجو برَّه وذُخرَه، اجعلها يا رسول الله حيثُ أراك الله، فقال رسول الله ﷺ بَخٍ ذلك يا أبا طلحةَ مالٌ رابحٌ، قد قبلناه منك، وردَدْناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدَّق به أبو طلحةَ على ذوي رحِمِه.

ومهما تغيرت ظروف الحياة، وتطورت وسائل العيش، واستجدت أمور لم تكن في السابق؛ إلا أن الإنسان سيجد الطريق أمامه مفتوحا لامتثال التوجيه الشرعي في شتى الجوانب، فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان على اختلاف الوسائل، ومن تلك الأبواب التي أُشرعت أمام طالبي الخير ما نحن بصدد الحديث عنه، وهو كيان تنظيمي معاصر يهدف إلى (تعزيز صلة الرحم، وبث روح التكافل والتآلف والرحمة، وتنظيم أوجه الإحسان بين أفراد العائلة)، فقد أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية -وزارة الشؤون الاجتماعية سابقا- مشكورة في عام 1437هـ قراراً باعتماد قواعد الصناديق العائلية، لتكون هذه الخطوة المباركة فتحا في هذا الباب.

 والصندوق العائلي عبارة عن مؤسسة أهلية خاصة بمن يسمى الصندوق باسمه وبأفراد عائلته، يكتسب هذا الصندوق شخصية اعتبارية من يوم صدور موافقة الوزارة على طلب تأسيسه، أو بعد انقضاء ستين يوما من تاريخ استكمال مسوغات الطلب، ويهدف هذا الصندوق كما سبق إلى تعزيز روح التعاون بين أفراد العائلة من خلال تعزيز ثروته بالهبات من أفراد العائلة، أو الأوقاف والوصايا، أو الصدقات والزكوات، أو عوائد الاستثمارات، ومن ثم صرفها في أوجه الإحسان الخاصة بالعائلة، وتقديم الخدمات الاجتماعية لهم.

وفي هذه المقالة سأسلط الضوء على الجوانب القانونية المتعلقة بهذا الكيان على أمل التعريف به، وتقديم لمحة موجزة عن أبرز التنظيمات التي يجدر الاطلاع عليها، وسوف يكون الحديث عن هذا الموضوع من خلال المحاور الآتية:

أولا: شروط التأسيس:

اشترطت الوزارة لتأسيس الصندوق جملة من الشروط:

شروط مقدم الطلب: وهي أن يكون سعودي الجنسية، لا يقل عمره عن ثمانية عشرة سنة، وأن يكون كامل الأهلية، وأن ينتسب لمن باسمه الصندوق.

اسم الصندوق: يشترط أن يكون اسم الصندوق اسما ثلاثيا لشخص ذي صفة طبيعية، ولا يصح أن يُسمى باسم قبيلة أو عائلة مجردة مثل: (صندوق القحطاني، أو التميمي).

الالتزام: يشترط أن يلتزم مقدم الطلب بإيداع ما لا يقل عن عشرين ألف ريال في حساب الصندوق.

الأوراق المطلوبة: على مقدم الطلب أن يرفع للوزارة طلب التأسيس وفقا للنموذج المعد من الوزارة، بالإضافة إلى بيانات مقدمي الطلب وبيانات ممثلهم، وإرفاق لائحة أساسية للصندوق وفقا لنموذج الوزارة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مقدم الطلب لا يخلو من حالين: إما أن يكون الصندوق باسمه ولنفسه فيجوز أن يقدم الطلب لوحده شريطة أن يخدم الصندوق ما لا يقل عن عشرة أفراد من العائلة، أما إن كان طالبوا التأسيس يرغبون بتأسيس صندوق باسم فرد ينتسبون له فيجب أن يكون من بين المتقدمين جميع أولاد من باسمه الصندوق من الدرجة الأولى أو من يقوم مقامهم من أولادهم الذكور وإن نزلوا، ويجب ألا يقل عدد طالبي التأسيس في هذه الحالة عن عشرة أفراد من العائلة.

ثانيا: الخلاف بين أفراد العائلة:

في حال وقع خلاف بين من ينتسبون لمن باسمه الصندوق فإن لكل واحد منهم تقديم اعتراض على طلب التأسيس في فترة الإعلان عن الصندوق التي تستمر لمدة ثلاثين يوما، وتقوم الوزارة بدراسة هذا الاعتراض خلال ثلاثين يوما.

ثالثا: اللائحة الأساسية للصندوق:

سبق أن من المتطلبات اللازمة لتأسيس الصندوق إرفاق لائحة أساسية، الهدف منها توضيح أهداف الصندوق، وبياناته، وأحكامه، ودرجة القرابة التي يشملها، فيجب أن تتضمن اللائحة ما يلي: اسم الصندوق وأسماء مؤسسيه، وشروط العضويات والاشتراكات وأحكامهما، والقواعد المنظمة للصندوق كتمثيله وتشكيل مجلس الأمناء وآلية تعيينهم ونحو ذلك، وبيان متى يمكن حل الصندوق اختياريا، وبيان تفصيلي بالشؤون المالية، تشمل: الموارد؛ كالأوقاف والاشتراكات، وآلية الصرف من الصندوق، وتحديد سنته المالية، وآلية تعديل اللائحة الأساسية، وقد أصدرت الوزارة نموذجا استرشاديا يساعد طالب التأسيس في صياغة لائحته الخاصة.

رابعا: سجل الصناديق العائلية:

تعدُّ الوزارة سجلا خاصًّا بالصناديق العائلية، يتضمن هذا السجل بيانات الصناديق وتراخيصها ولوائحها وأهدافها، وتقوم الوزارة بتحديث سجل الصندوق كلما طرأ عليه تغيير، مثل تعديل اللائحة الأساسية، ولذلك فإن من الواجب على مجلس الأمناء تزويد الوزارة بكل تغيير طارئ.

خامسا: إدارة الصندوق ومجلس الأمناء:

يتولى إدارة الصندوق مجلس يسمى “مجلس الأمناء”، ويتكون من عدد لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على ثلاثة عشر، تحدد اللائحة الأساسية آلية تعيينهم. مثل: أن يعينهم شخص أو أكثر محددة أسماؤهم من كبار العائلة أو غيرهم، أو أن يكون التعيين بالانتخاب من العائلة.

وهذا المجلس هو المسؤول عن أموال الصندوق وممتلكاته، ويجب أن تتضمن اللائحة الأساسية آلية عمل المجلس واجتماعاته، ومن مهام المجلس الإشراف على أنشطة الصندوق، وإقرار التقارير السنوية الإدارية والمالية، واعتماد الميزانية العامة، وإقرار الموازنة التقديرية، واعتماد ضوابط الصرف، وتزويد الوزارة ببيانات أعضاء المجلس، وبكل ما يطرأ من تغيير، وبالتقارير السنوية والموازنات والميزانيات.

ولعظم المسؤولية التي يتحملها مجلس الأمناء فقد نصَّت قواعد الصناديق على أن التعاملات مع حساب الصندوق البنكي يجب أن تكون بتوقيع من رئيس المجلس أو نائبه والمشرف المالي، ويجوز أن يفوض المجلس اثنين من أعضائه أو من قياديي الإدارة التنفيذية بذلك شريطة أن يكونا سعوديين وأن تأذن الوزارة بذلك.

ولما كان الوضوح والشفافية مما يجب أن يتصف به مجلس الأمناء، فإن للوزارة الحق في حضور اجتماعات المجلس عند الحاجة.

سادسا: الشؤون المالية للصندوق:

تتميز الصناديق العائلية على الجهود الفردية في الجوانب المالية بأنها أكبر حجما، ورصيد الأموال المخصصة للبر والإحسان العائلي يفوق رصيد الأفراد في الأعم الأغلب، كما أنها مؤسسة أهلية رسمية خاضعة لرقابة الوزارة، ولذلك فإنها تتميز على الجهود الفردية بأنها مرخصة في جميع مناشطها، سواء بجمع الاشتراكات واستقبال الهبات من المؤسسين وأفراد العائلة ونحو ذلك أو حتى في الصرف على مناشط وأعمال الصندوق العائلية، ولا شك بأن العمل المؤسسي أحكم وأضبط، واستمراريته أحرى من الجهود الفردية.

وإن من أهم الأسئلة المطروحة في سياق الحديث عن الصناديق العائلية السؤال عن الموارد المالية للصندوق، وقد نصت قواعد الصناديق العائلية على أن موارد الصندوق تتكون مما يلي:

  • ما يخصصه له المؤسس أو المؤسسون أو أفراد العائلة من أموال أو هبات أو أوقاف أو وصايا أو زكوات.
  • الاشتراكات الدورية لأفراد العائلة إن وجدت.
  • عوائد استثمارات الصندوق حسب ما تنص عليه اللائحة الأساسية.

وقد أكدت القواعد على أمور تتعلق بالشؤون المالية، منها: وجوب التعامل مع أموال الزكاة في حساب مستقل، وصرفها في مصارفها الشرعية، وعلى وجوب التعاقد مع مراجع حسابات خارجي مرخص، وعلى أن الصناديق لا تستفيد من الإعانات التي تقدمها الوزارة، وعلى وجوب الاحتفاظ بالسجلات والمستندات والمراسلات المالية لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

سابعا: العقوبات:

في حال وقع الصندوق في مخالفة للنظام أو القواعد أو اللائحة الأساسية للصندوق فللوزارة اتخاذ ما يلي:

  • إنذار الصندوق وإمهاله مدة لا تزيد عن ثلاثين يوما.
  • وإذا مضت المدة دون تصحيح المخالفة فإن الوزارة تنذره إنذارا نهائيا مع مهلة لمدة ثلاثين يوما.
  • وإذا مضت المدة دون تصحيح المخالفة فللوزارة -مع مراعاة التدرج بحسب المخالفة- اتخاذ ما يلي:
  • إيقاف أحد منسوبي الصندوق عن العمل في الجمعيات والمؤسسات والصناديق لمدة محددة أو بشكل دائم.
  • عزل مجلس الأمناء أو أحد أعضائه وتعيين بديل إن لزم الأمر.
  • تعليق نشاط الصندوق مؤقتا أو دمجه مع غيره أو حله.

ثامنا: حل الصندوق:

إذا قرر صاحب الصلاحية في الصندوق حلَّه حلًّا اختياريا فعليه أن يرفع هذا الطلب للوزارة، وتصدر موافقة الوزارة مصحوبة بتعيين مصفٍّ أو أكثر للقيام بأعمال التصفية، وتراعي الوزارة أثناء التصفية الضوابط الشرعية في الوصايا والزكوات، وإعادة الأموال للمتبرعين، وما نصت عليه اللائحة الأساسية للصندوق، وإذا تعذرت إعادة الأموال للمتبرعين فيجب على مجلس الأمناء تحديد الأشخاص أو الجهات الذين تؤول إليهم أموال الصندوق، ويتضح هنا أن النظام تميز بالعناية الظاهرة بربط الصندوق وممتلكاته بالعائلة عند التصفية.

ولا يجوز للقائمين على الصندوق الذي صدر قرار حله أو تعليق نشاطه التصرف بأموال الصندوق إلا عند الضرورة وبإذن من الوزارة.

وإذا مضت سنة على صدور الترخيص ولم يباشر الصندوق عمله فللوزارة إلغاؤه أو التمديد لمدة مماثلة.

تاسعاً: نطاق الصندوق:

يحظر على الصندوق المشاركة في فعاليات وأنشطة خارج المملكة وتقديم الخدمات خارجها، ويحظر عليه الحصول على عضوية الجهات الدولية، وإذا دعت الحاجة لمشاركة الصندوق في شيء من ذلك فإنه يقدم طلبا إلى الوزارة يوضح فيه رغبته ووجه ارتباطه بأنشطته.

وفي الختام: فإن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قد أصدرت دليلا بيّنت فيه إجراءات تأسيس الصناديق العائلية، وإننا في “شركة استثمار المستقبل” نسعد بأن نمد أيدينا للرَّاغبين في تأسيس صندوق عائلي لنكون شركاء في تأسيسه وحوكمته وإعداد لوائحه، كما نرجو أن تكون هذه الجولة نافعة ومثريةً للقرَّاء الكرام، ونسأل الله أن يعيننا على مرضاته، وأن يجعلنا ممن يساهم في رقي مجتمعه ونشر الخير فيه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

انظر أيضا:

إضافة المقال إلى المفضلة(0)