محتويات المقال

الكاتب

أ.يوسف السديس

مستشار شرعي وقانوني في الأوقاف

بواسطة أ.يوسف السديس,

2023/03/30 ,

5 دقائق

-+=

شرط الواقف بين الالتزام والتغيير

تزخر كتب الفقه في المكتبة الإسلامية على اختلاف المذاهب والآراء بمناقشات في غاية الأهمية؛ تضم مسائل (ملكية منفعة الوقف) و (ملكية عين الوقف) ومعنى قولهم (شرط الواقف كنص الشارع) وما يتفرع عن ذلك من جواز التصرف في عين الوقف أو في مصارفه، وهل يعد ذلك تصرفاً في شرط الواقف الذي قيل عنه “كنص الشارع” أم أن تفصيلاً يلحق هذه القاعدة؟

يبدأ تكييف هذه المسألة من اتفاق الفقهاء على ملكية الموقوف عليهم لمنفعة الوقف، واختلافهم في ملكية عين الوقف، على أقوال ثلاثة:

– الأول: أن ملكية العين الموقوفة إنما تكون لله تعالى؛ لأنها انتقلت من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى، فلا يحق له التصرف فيها.

– الثاني: أن ملكية العين الموقوفة تكون للواقف حال حياته، ثم لورثته من بعده، فيحق له ولورثته من بعده منع من يريد التصرف في العين الموقوفة، أو إصلاحها أو تغيير معالمها.

– الثالث: أن ملكية العين الموقوفة تنتقل من الواقف إلى الموقوف عليهم؛ لأنها تتبع المنفعة، والمنفعة كما اتفق الفقهاء ملكٌ للموقوف عليهم.

ولعل القول الراجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو أن عين الوقف تنتقل ملكيتها لله تعالى، فليس للواقف أن يبدل أو يغير في العين أو المصرف بعد أن أوقفها، ولا يحق ذلك للموقوف عليهم.

أما ما يتعلق بـ “شرط الواقف” ووجوب الالتزام به؛ فإن ثمة عبارة متداولة لدى الفقهاء، نصها: “شرط الواقف كنص الشارع”، للدلالة على فهم مراد الواقف ووجوب الالتزام بشروطه تجاه الوقف والمصارف، وعدم التهاون في تنفيذها. لكن هذا التشبيه ليس على إطلاقه، فشروط الواقفين منها نوع باطل لا يُعمل به؛ ونوع صحيح يعمل به ولكن تجوز مخالفته عند الاقتضاء، ونوع يأخذ وصف “نص الشارع”، وهو الذي لا تجوز مخالفته بحال.

وبالمناسبة فإن (نص الشارع) تعني أنها “كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها بمعنى أن مراد الواقف ورغبته في مصارف الوقف وإدارته تؤخذ من صريح ألفاظه كما يؤخذ مراد الشارع من ألفاظه، لا أن يكون للنص قدسية تستدعي العمل بها فهذا “كفر باتفاق المسلمين كما وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ويمكن تقسيم شروط الواقفين من حيث الالتزام بها من عدمه إلى أقسام ثلاثة:

الأول: شروط يجب الالتزام بها، والعمل بموجبها، باتفاق أهل العلم، وهي التي تكون على مصرف مأمورٍ به شرعاً؛ كالواجبات والمستحبات وهي التي عدّ الهيثمي -رحمه الله- مخالفتها من الكبائر “لأن مخالفتها يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل؛ وهو كبيرة”، وهذا ما عليه العمل في المحاكم الشرعية، فقد اطلعت على عدد من السوابق القضائية يكون حكم القاضي فيها بناء على الأمر بالتزام شرط الواقف.

هذا القسم إن تعذر العمل به في زمن من الأزمان، فهو لا يُعد إبطالاً للعمل به أو مخالفةً لشرط الواقف؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ليس إبطالاً للشرط، لكنه ترك العمل به عند تعذره”. ويلحق بذلك أيضاً ما ذكره بعض الفقهاء أنه إذا وقف على جماعة يمكن حصرهم، ثم تعذر حصرهم بعد ذلك، كالوقف على الولد وأولاده وأولادهم، وعقبه ونسله، فصاروا بعد زمن قبيلةً كثيرة مترامية لا يمكن حصرها؛ فإنه يجوز تعميم ما أمكن منهم، أو تفضيل بعضهم على بعض؛ كالفقراء والمندرجين تحت أصناف الزكاة الثمانية منهم، ولا يعد ذلك تعطيلاً للوقف وعدم التزامٍ بشرط الواقف.

القسم الثاني: شروط يجب تركها وعدم الالتزام بها، وهي ما تكون على مصرف محرم شرعاً، وهذا النوع يُعد من شروط الواقفين الفاسدة باتفاق أهل العلم، بدليل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مئة مرة؛ شرط الله أحق وأوثق».([1])

القسم الثالث: شروط الواقفين في نصهم على جعل مصارف الوقف على أعمال مباحة ليست من أوجه البر التي أمرت بها الشريعة؛ كالوقف على الأغنياء، واشتراط العزوبة للانتفاع من الوقف، ونحو ذلك. والراجح هو عدم الالتزام بشرط الواقف فيها، لأن منشأ شرعية الوقف وسبب لزومه هو الشريعة، والشريعة جاءت بأوجه البر وأمرت بها وليس منها مثل هذه الشروط أو المصارف؛ مثله في ذلك النذر؛ الذي لا يصح إلا على طاعة، ويلحق بهذا القسم أيضاً أن يشرط في القربات تقديم المفضول على الفاضل، كشرطه في الإمامة تقديم غير الأحق بها.

خلاصة القول:

ملكية منفعة الوقف تكون للموقوف عليهم، وملكية عين الوقف تكون لله تعالى لا يحق لأحد أن يغير فيها أو يبدل، وأما شرط الواقف؛ فالشرط الذي كنص الشارع هو الشرط الصحيح الذي يأتي موافقاً لما جاءت به الشريعة فلا يعارضها أو يضادها، وأن المراد في تشبيه شرط الواقف بنص الشارع إنما هو لمعرفة مراد الواقف من لفظه لا لوجوب العمل به على سبيل التشريع.

([1]) رواه البخاري (2155)، ورواه مسلم (1504)، واللفظ لمسلم.

خيارات النشر

لتحميل هذا المقال بصيغة PDF أو Word أو طباعتة وذلك بانقر فوق أيقونة أدوات النشر

آخر تحديث للصفحة:2023/06/14

الوسوم