بين يدي المعيار:

الصناعة المالية الإسلامية بجناحيها وذراعيها الرئيسيين: الربحي (البنوك، السوق المالي، التأمين، التكافل، التمويل المتخصص)، وغير الربحي (الوقف، والزكاة)، تعد من أكثر القطاعات المالية نمواً على مستوى العالم.

انتقلت هذه الصناعة من كونها مجرد اجتهادات فردية ومؤسسات متفرقة، الى كونها صناعة عابرة للقارات، وأصبحت الحاجة ماسة لمزيد مأسسةً وحوكمةً ومعيرة، وقد اخذت المؤسسة الأم في هذه الصناعة البنك الإسلامي للتنمية -ومن أكبر داعميه ومؤسسية المملكة العربية السعودية -على عاتقه بالشراكة مع مجموعة من الحكومات والبنوك الإسلامية والسلطات الاشرافية والرقابية، إقامة مجموعة من مؤسسات البنية التحتية، وكان وعلى رأسها المؤسسات المصدرة للمعايير.

فكان أولها اقامة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية “ايوفي”، التي أسست قبل قرابة 30 عاماً وبدأت بإصدار المعايير المحاسبية، والمراجعة لهذه الصناعة، وبالأخص لمعالجة جوانب التميز في هذه الصناعة مما لا تغطية المعايير المحاسبية الدولية.

ومع الوقت برزت الحاجة العملية الى وجود حجر الزاوية لهذه الصناعة فنحن دائماً نسميها الصناعة المالية الإسلامية او الصناعة المتوافقة مع الشريعة، فحجر الأساس في هذه الصناعة هو مدى توافقها مع احكام الشريعة الإسلامية، فبدأ العمل على اصدار المعايير الشرعية قبل قرابة ربع قرن من الآن وكون لذلك مجلس يضم نخبة من علماء وفقهاء الامة من الشرق الى الغرب من مختلف المذاهب الفقهية المعتبرة، ليصوغوا   الأحكام الفقهية بصورة عملية، ومختصرة، ومحددة بدقة،  فيما يشبه الصياغة القانونية      بحيث يسهل على المتعاملين في هذه الصناعة المالية الإسلامية على مستوى العالم من مصرفيين وماليين ومحاسبين وغيرهم معرفة معالم هذه المنتجات و شروطها وأركانها،  ومن هنا بدأت الحاجة لإصدار المعايير الشرعية وقد كان من اهم الاعمال الفقهية بل ربما من اهم معالم الاجتهاد المعاصر في العقود الأخيرة هو البدء بإصدار هذه المعايير الشرعية.

هذه المعايير ليست مجرد فتوى وليست مجرد قرار شرعي وانما هي عمل مؤسسي   ينفذ بمهنية واحترافية عالية وكذلك هو عمل جماعي دولي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

لماذا مشروع “المعيار الشرعي للوقف”؟

عقد لقاء في مقر استثمار المستقبل  قبل 4 سنوات -عندما كنت بخدمة ايوفي-   حضره  مجموعة من رجال الاعمال    للتعريف بايوفي ومعاييرها وأعمالها وتم التطرق الى الجناح الآخر من اجنحة الصناعة المالية الإسلامية وهو الجناح الغير ربحي وعلى رأسه الوقف،     وجرى الحديث عن وجد معيار شرعي للوقف صدر قبل قرابة العشر سنوات، ومدى أهمية إعادة النظر وتحديث ذلك المعيار كطبيعة أي معيار    ليواكب التطورات المتسارعة والكبيرة   ؛ ونتيجة لذلك الحوار ظهرت الحاجة الى أن تصدر ايوفي باقة معايير الوقف، لتخدم الأنشطة الثلاث الرئيسة التي تصدرها ايوفي “معيار شرعي، معيار محاسبي، معيار حوكمة للوقف” وبناء على ذلك اللقاء    عقدت ثلاث ورش عمل، لدراسة مدى جدوى اصدار هذه المعايير، لأن  إصدارها  يأخذ أوقات وجهود كبيرة  .

ثلاث ورش متخصصة لثلاثة معايير :

أولها كانت حول جدوى اصدار معيار شرعي جديد، جمع قضاة وفقهاء وممارسين وعاملين في قطاع الأوقاف، ثم عقدت ورشة أخرى حول جدوى اصدار معيار محاسبي وجمعت أطياف مختلفة من الممارسين والفنيين تلي ذلك الورشة الثالثة حول جدوى اصدار معيار في الحوكمة، وقد ظهر بإجماع الحاضرين الأهمية البالغة لإصدار المعايير الثلاث في هذه التخصصات، وبفضل الله قد صدرت التوصية الى أهمية المبادرة بإصدار هذه المعايير الثلاث. واعدت شركة استثمار المستقبل عرضً قدمته الى هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية تعرض فيه الشراكة في اصدار هذه المعايير الثلاث، وفي شهر مارس من عام 2017 عرض الموضوع على الهيئة العليا التي تضم الفقهاء والعلماء المختصين في اصدار المعايير الشرعية في اجتماعهم الذي عقد في المدينة المنورة، وقد وافق المجلس الشرعي على البدء في مشروع اعداد المعيار الجديد للوقف.

وقد كانت موافقة المجلس الشرعي بناء على مبررات عدة، واقتنع بما وجد في عرض استثمار المستقبل من امثلة لعدد ليس باليسير من المستجدات و المسائل التي هي حرية بالبحث والاجتهاد الجماعي المعاصر، وبالفعل كون المجلس الشرعي فريق من الخبراء والفقهاء، اجتمع الفريق عشر اجتماعات في مدينة الرياض لانضاج وفحص وتمحيص دراسة ومسودة المعيار، ثم كون المجلس الشرعي فريقًا استشاريًا يضم أربعة من العلماء عقد اجتماعين مطولين لدراسة مسودة المعيار ثم بعد ذلك رفعت مسودة المعيار للمجلس الشرعي في نوفمبر من ذلك العام، وقد اقر المجلس الشرعي في نوفمبر 2017 مسودة المعيار، وأمر أمانته بعرضها فيما يسمى “بجلسات الاستماع” ونشرت المسودة لتلقي ملاحظات العاملين في الصناعة بشتى اطيافهم.

عقدت خمس جلسات استماع في كل من الرياض والجزائر والسودان والمغرب والكويت-وهنا يظهر التنوع الجغرافي-لأن هذا المعيار وكل معايير ايوفي هي عالمية بطبيعتها وتترجم الى أكثر من 6 لغات.  وجمعت ملاحظات جلسات الاستماع في    هذه الأماكن الخمس التي   حضرها مشرعون ومنظمون وجهات رقابية وإشرافية، إضافة إلى الفقهاء والعاملين في الأوقاف بشتى اطيافهم، ودرسها المجلس الشرعي في ست اجتماعات  ..  وبفضل الله سبحانه وتعالى اقر المجلس الشرعي في أغسطس 2019 النسخة النهائية الرسمية من المعيار الجديد للوقف ثم بعد ذلك عرض على لجنة الصياغة لتحيكم الصياغة وبعد ذلك صدر المعيار ثم بدأت الترجمة،  ..  يظهر من هذا السرد السريع  ..  حجم العمل الجماعي    الذي تضافر فيه مئات من العلماء والفقهاء والخبراء والقانونيين والقضاة والممارسين حتى يظهر هذا المعيار بشكل متقن يكون له أثر بالغ وإيجابي.

بالنسبة للمعيار المحاسبي  ..  فهو في لمساته الأخيرة -بفضل الله-، ولعل   القائمين عليه يعقدون لقاءات للتعريف به بعد صدوره رسمياً من الجهة المعنية في ايوفي، وكذلك معيار الحوكمة والذي ينفذ بالشراكة مع معهد الوقف الإسلامي الدولي وهو في لمساته الأخيرة، وبحول الله يصدر قريباً وتعقد جلسات للتعريف به.

ما ثمرة هذا العمل الكبير والجهد الجماعي العظيم والأموال الشريفة التي صرفت؟

حقيقة لم يقصد من معايير ايوفي منذ تأسيسيها أن تكون مرجعاً علمياً وإن كانت كذلك، ولم يقصد بها أن تكون متناً فقهياً وهي كذلك، وليست مرجعاً قانونياٌ فحسب وهي كذلك، ولم يقصد ان تكون رافداً للمحامين والمستشارين وهي كذلك، بل يقصد بذلك كل ما ذكر بالإضافة أن تكون مرجعاً عملياً لضبط الواقع ووجود تناغم في الممارسة العملية.

ارجع مرة أخرى وأقول ان الخلاف رحمة في الفقه ولاشك في ذلك وهي جزء من عظمة هذه الشريعة المباركة، ولكن صناعةً دوليةً عابرةً للقارات يترتب عليها اعداد قوانين وأنظمة وادلة ارشادية وأنظمة الكترونية تتطلب كثيراً من المأسسة والمعيرية والاستقرار ولذلك كان من الأهمية وجود ثل هذه المعايير.

ما الخطوة التالية بعد اصدار هذا المعيار؟

كل ما ذكر من الأوجه العلمية والفنية والقانونية     من وجهة نظري    ماهي الا البداية لصدور الكثير من المشاريع المستقبلية، ومن ذلك على سبيل المثال، يحسن بهذه المعايير -وقد حصل في صناعات أخرى-أن تلزم بها الجهات الرقابية والاشرافية، وقد رأينا مجموعة من البنوك المركزية على مستوى العالم قد ألزمت بالالتزام بالمعايير الشرعية لأيوفي، والسبب    خلق مستوى من الاستقرار والتناغم في الممارسة   يرفع من جودة الخدمة ويحقق     حماية العميل.

  • فيحسن على مستوى العالم أن تلزم الجهات الرقابية والإشرافية بهذه المعايير وعلى رأسها الآن المعيار الشرعي لأيوفي.
  • اعتماد القطاع، ممثلاً بالواقفين ومديري الأوقاف ونحوهم   هذه المعايير اساساً لمشاريعهم في المنح والوقف والوصايا وفي وثائق الوقف وصكوكه.
  • جهود الشرح والتفسير والتنزيل على الأعراف والقوانين المختلفة، كما ذكرت هذا المعيار دولي فلا يخص بلد ما ولذلك يحصل كما يحصل في القوانين ان يجتهد الفقهاء والقانونين والمختصين في شرحه وتنزيله على الوقائع والأعراف والقوانين المختلفة في انحاء العالم.
  • التصنيف، رأينا في كثير من الصناعات أن أكثر ما يساهم في الارتقاء بها وبحوكمتها التصنيف، وفي الغالب الذي يصدر المعيار ليس هو الذي يصنف عليه لمزيد حوكمةً، ولدرء  تعارض المصالح، فلذلك يحصل على سبيل المثال أن تأتي جهات وتصوغ أدلة ارشادية عملية في التصنيف بناءً على الالتزام بالمعيار الشرعي، أو المحاسبي، أو الحوكمة في الأوقاف.
  • ربط المنح وابراء ذمة الجهات الموقفة والمديرة والمشرفة على الأوقاف  بانضباطها والتزامها بهذه المعايير.

ختامًا هذه المعايير تخلق نوعاً من الاستقرار والرؤية المستقبلية الواضحة لتطوير هذا القطاع وغيره، ومن طبيعة هذه المعايير انها لا تهدف الى التفصيل الكبير لكي تترك مجالاً للجهات المختلفة والدول المختلفة والبيئات المختلفة لتنزيل هذه المعايير على بيئتها واختلاف قوانينها وانظمتها واعرافها.

انظر أيضا

المعيار الشرعي للوقف نظرة شاملة
قراءة مالية للمعيارقراءة قانونية للمعيار