محتويات المقال

الكاتب

أحمد-بن-فهد-الضويان

د.أحمد بن فهد الضويان

مستشار في الشركات العائلية

بواسطة د.أحمد بن فهد الضويان,

2023/10/16 ,

5 دقائق

-+=

الأوقاف المبتكرة

إن الأوقاف الإسلامية بكل أشكالها ومجالاتها، لعبت دوراً محورياً في حضارة الأمة الإسامية على مر الحقب المتتالية، وكانت من المرونة بحيث استطاع الفقهاء والمُنظِرون أن يوجدوا لها صوراً مناسبة تفيد تطوير شتى مناحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، وقبل ذلك الدينية والعلمية، وفق ما دعت له حاجة الناس وما ترتب على تطور حياتهم، بما يحقق لهم تأمين أداء العبادة وطلب العلم بيسر، وبما كفل سد احتياجات ضرورية وحاجية تتعلق بالصحة، وتوفير المساكن، والمرافق وتسهيل العيش الكريم.

وقد مرت الأوقاف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم بتطور في عددها وكثرتها وتنوع صورها، كما دلت النصوص الشرعية المتظافرة من القرآن والسنة النبوية والإجماع مشروعية الوقف، والندب إليه، قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) }آل عمران: 92{. وقد ثبت الوقف بقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره، ومن ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات” (صحيح البخاري). يقول الإمام أحمد رحمه الله في رواية حنبل: “قد وقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقوفهم بالمدينة ظاهرة، فمن رد الوقف فإنما رد السنة” (شرح مختصر الخرقي: 2/ 196).

وهذا من أوسع الأصول التي أسعفت المسلمين على مر العصور في التوسع في مجالات وصور الأوقاف التي تخدم شتى ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والصحية التي تطورت بتطور الزمان وتوسع رقعة الدول الإسامية، بعدما كانت مقتصرة على صور يسرة تسد الحاجات الأساسية للمسلمين في العصور المتقدمة.

فإن كان أمر الأوقاف في بناء الحضارة وانتعاشها بتلك الأهمية، فإننا لابد أن نعيد النظر في صياغة جديدة للأوقاف، تنطلق من ثوابت وأصول الوقف الإسلامي، ولكنها في الوقت ذاته تسعى لابتكار صور وقفية جديدة تلبي حاجات الناس المعاصرة، بل وتتبنى رؤى مستقبلية تعمل على صياغة نظام وقفي فاعل، يعود بالأوقاف إلى دورها الرئيس في نهضة الدول الإسامية واكتفائها، بل وتصديرها لحضارتها لغيرها.

والابتكار الوقفي يٌقصد به تلك الأفكار الجديدة والأصيلة التي يقصد من تطبيقها تطوير الأوقاف من حيث الأصول التي يتم وقفها، ومصارف تلك الأوقاف، وتنظيم إدارتها و رسم سياساتها لتتسع فكرة الوقف من خلال هذه الأبعاد لآفاق أرحب من الوقف التقليدي وصوره المعروفة، فيكون ذلك سببا في إيجاد نظام وقفي يسبق الزمن بالتفكير في مجالات جديدة تتسع لها الأوقاف، للحصول على حلول إسلامية أصيلة المبدأ والمنطلق. بل وتستطيع اقتراح رؤية مستقبلية للأوقاف لتكوين خطة استراتيجية للعمل على توسيع العمل بالأوقاف تلبي حاجات المجتمعات الإنسانية كافة.

عُرِف الابتكار الوقفي منذ عصور الإسلام الأولى، فلم يزل المسلمون يستحدثون أوقافا جديدة الفكرة والمبدأ بناء على الأصول الإسلامية الثابتة للوقف مراعاة للحاجات المستجدة للناس، فما دام الوقف مستوفيا شروطه الشرعية فلا غضاضة من الابتكار والتجديد في صوره وأشكاله، بل إن المتتبع لتاريخ الأوقاف في العالم الإسامي، ليلحظ أن التنوع والكثرة في الأوقاف الإسلامية كان مصاحباً لفترات زهو الحضارة الإسلامية وقوتها وانتشارها. إذن فوجود الابتكار الوقفي علامة من علامات صحة الأمة، وقوتها، ونهضتها، وهو دليل من دلائل جمال وجلال حضارتها الإنسانية.

ومما يدل على ذلك القياس، ويعد أحد أهم أدلة ثبوت الوقف بصوره المختلفة، فأي صورة جديدة ومبتكرة من صور الوقف يجرى عليها القياس على الأوقاف الثابتة بالنصوص، فإذا استوفت شروط الوقف، ووجدت فيها العلة الجامعة، دون وجود الموانع والنواقض للقياس، صح أن تدرج ضمن صور الوقف المشروعة.

ومن هنا تأتي الحاجة لاقتراح منافذ صرفيّة جديدة للأوقاف، فمع تصاعد قيمة الأوقاف في وقتنا الحاضر وعودة وهجها إلا أن مصارفها لا زالت غير متوافقة مع حجم التسارع، حيث تكشف الدراسات الراصدة حالة التكرار في أنواع الأوقاف، ومصارفها، وعدم تجددها رغم وجود ممكنات عصرية، فالدارس للحضارة الإسلامية يعجب من التنوع الكبير في مصارف الأوقاف، والتلمس الحقيقي لمواطن الحاجة في المجتمع لتسد عن طريق الوقف، وكانت تتطور وتتجدد بتجدد الحاجات في المجتمع وتنوعها، وفق ظروفه والمرحلة الحضارية التي يعيشها.

مجالات الابتكار والتجديد المقترحة في تفعيل الأوقاف

ونستطيع إجمال مجالات الابتكار والتجديد المقترحة في تفعيل الأوقاف وتطويرها في ثلاث مجالات:

  1. المجال الأول وهو ابتكار الأصول التي يتم وقفها: فيهدف الابتكار الوقفي لإتاحة الوقف لجميع فئات المجتمع والمؤسسات مهما كان حجمها (صغيرة، متوسطة، كبيرة) وعدم اقتصاره على أصحاب الثروات الكبيرة من خلال أي نوع من الأصول غير التقليدية (عينية أو معنوية) وعدم اقتصار هذه الأصول على المباني والأراضي كما هو الحال في الوقف التقليدي. وتتنوع صور الأصول التي تصلح أن تكون وقفاً: الوقف المؤقت، الوقف الجزئي، وقف الملكية، وقف الوقت، وقف الخدمات، وقف الاستشارات، أوقاف إعلامية، أجهزة وقفية.
  2. المجال الثاني: الابتكار في مصارف الأوقاف: ومن أمثلة المصارف المبتكرة: دعم دراسات الاختراعات وتمويلها، والأبحاث الطبية، والعلوم والتكنولوجيا والابتكار، ودعم مشاريع الشباب، ودعم المعرفة، والحملات التوعوية والمجتمعية، والتدريب وتنمية المهارات، والبيئة والاستدامة.
  3. المجال الثالث: ابتكار أفكار وحلول مؤسسية التي تقدم كحلول لتطوير قطاع الأوقاف، مثل تأسيس وهيكلة جديدة للكيان الوقفي وما يتبعها من فصل الإدارة عن الملكية وعمليات الإفصاح والحوكمة اللازمة، إدارة الأصول الوقفية بشكل مؤسسي مدروس بما يحافظ على ثروات الوقف ويصل الى مستوى تحقيق العوائد المستهدفة من خلال رؤية ورسالة واضحة للوقف واختيار الكوادر المؤهلة والاستثمارات النافعة والاستراتيجيات السليمة، وتفعيل دور الإعلام كشريك فعال وضروري في التوعية والدعوة لإحياء الوقف وإبراز محاسنة وفوائده.

فكرة ابتكار نموذج عصري يخدم القطاع التعليمي

وهنا نطرح فكرة لتوسيع آفاق الواقفين من خلال، على سبيل المثال، ابتكار نموذج عصري يخدم القطاع التعليمي، فتوجيه بعض الأوقاف إلى “المشاريع التعليمية الترويحية” سيزيد من فرص التمكين الحضاري، ويوسع شرائح المستفيدين من الأوقاف، ويساهم في تنويع طرائق التعلم ويجعلها أكثر تنافسية، وهذا المصرف المقترح ضمن منظومة التجديد في المصارف الوقفية، تتماهى مع مصطلح (الوقف المبتكر). هذا التوجه المتمثل في (الوقف الترويحي) ليس بدعاً في العالم، فهناك أوقاف تعليمية ترويحية تخصصية، ومن ذلك وقفية (Getty) تمّ تخصيصها لخدمة المتاحف فقط، وكانت قيمتها 700 مليون دولار في بدايتها ثمّ وصلت إلى 4.5 مليارات دولار، ولاشك أن المتاحف مكون أساس من مكونات الوقف الترويحي، بجانب المراكز العلميّة، وهذه تجربة عالمية رائدة ينبغي الاستفادة منها.

إن تأسيس (الوقف الترويحي)، الذي هو الوجه الآخر لمفهوم (التعليم بالترفيه)، لم يعد ترفاً حضارياً، بل هو مكون أساس في العمليّة التعليمية والتقدم الحضاري، والتكنولوجي، فهناك علاقة طردية ومتزايدة بين مستوى القدرات التكنولوجية والرخاء الاقتصادي والاجتماعي في أي مجتمع. ويمكن تحقيق ذلك النموذج المبتكر من الأوقاف (الوقف الترويحي) في دعم المراكز العلمية والابتكارية القائمة في المملكة العربية السعودية مثل: واحة الملك سلمان للعلوم بالرياض، ومعرض أرامكو بالظهران، ومركز القصيم العلمي الذي دعمته الهيئة العامة للأوقاف مؤخراً ودخلت في شراكة معه لتشغيل الوحدات العلمية التابعة له، والقبة العلمية البلانيتيريوم ثلاثية الأبعاد، والمسرح وقاعة العرض ثلاثية الأبعاد، وواحة الزامل للعلوم، والصالة متعددة الأغراض.

ولذلك، بدأت الكثير من الدول العربية والأسلامية تعيد النظر إلى الأوقاف كونها محركا أساسياً لعودة ريادة الأمة ونهضتها، وكثيرة هي التجارب الرائدة والجديرة بالذكر في مجال تطوير وابتكار الأوقاف التي تسهم في تطور الدول العربية والإسلامية وتقدمها. ومن أمثل التجارب الوقفية العربية العصرية الوقف العلمي في جامعة الملك عبدالعزيز، وهو منظومة إسلامية خيرية علمية اقتصادية عصرية، تقوم باستثمار الأصول المختلفة وتوجيه عوائدها نحو تبنّي ودعم المشروعات البحثية والدراسات العلمية والموهوبين والبرامج الخاصة المبتكرة التي تخدم المجتمع وتعالج مشكلاته العلمية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية.

كما أن هناك نموذج وقفي عربي مبتكر وهو مركز محمد بن راشد العالمي لاستشارات الوقف والهبة، وهو وقف أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وهو مؤسسة وقفية استشارية لخدمة الإنسانية من خلال تحفيز وتمكين الأوقاف والهبات لتلبية الحاجات الاجتماعية للشعوب.

كما تنبَّهت الدول الغربية (كالولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا) لأهمية الوقف، وتفتحت أعينهم على أثره، وما يعود به من الاستقرار والتنمية، وما يعطيه للنظام من قوة. ولا تنحسر تجربة الوقف الغربية في الاستثمار وحبس الأصل في الأصول العقارية الثابتة، فهناك تجارب مختلفة كما نجد في دولة نيوزيلندا التي تتميز بالأراضي الزراعية والثروة الحيوانية الخصبة.

ومن أعرق الأوقاف الغربية الجامعات العملاقة المتميزة، سواء في أوروبا أو أمريكا، وتوجد فيها معاهد أبحاث يستثمر بها رجال الأعمال، وحقوق الاختراع، التي تمثل الأوقاف الأعلى ربحية، كونها تمتلك جزءاً في عائدات المشاريع والمنتجات والأجهزة التي تنتر عالمياً ويبقى ريعها في ازدياد متراكم لخدمة أوقاف هذه الجامعات. من أهم هذه الجامعات: جامعة هارفرد بأكثر من 31 مليار دولار، وجامعة كامبردج بأكثر من 4 مليارات جنيه استرليني، وبلغ إجمالي الصناديق الوقفية التي تدعم الجامعات في أمريكا أكثر من 700 مليار دولار أمريكي عام 2020.

وبعد ما تم عرضه، نسأل السؤال الأهم:

هل الابتكار الوقفي نوع من الترف الزائد عن الحاجة؟ أو هو من مرتكزات تقدم الأمم وتصنيفها ضمن الحضارات المتقدمة؟

بناءاً على المقدمات التي سبق ذكرها، نستطيع الخلوص إلى إجابة واضحة بهذا الشأن، فالابتكار الوقفي لم يعد خياراً، بل أصبح مطلباً ملحاً وضرورة تنموية للنهوض بواقع الوقف، وذلك لتعويض التأخر الزمني الشاسع الذي عانت منه الأوقاف كمحرك لعجلة التنمية والحضارة العربية والإسلامية بل والإنسانية

وقد اجتهد الكثير من النظار والباحثون، كما اجتهدت بعض الهيئات والمؤسسات المعنية بالأوقاف في اقتراح مجالات مبتكرة تدعو الحاجة لها للنهوض بالفكر الوقفي، بما يحقق المقصود منه في سد كفايات الأمة الأساسية في مجالات كالتعليم والصحة وغير ذلك، وبما يكون محفزاً للمزيد من الدفع الحضاري من خلال دعم المخترعات والموهوبين والالتفات إلى سبل توفير العيش الرغيد الذي تتكامل فيه صور التعليم العالي، والصحة لكل طبقات المجتمع، واستدامة المنافع، وتطوير المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية.

إن مما يُحمد للهيئة العامة للأوقاف بالمملكة العربية أنها بدأت بهذا المسار وتشكر عليه، فدعم مثل هذه المشروعات يقع في الصميم من مستهدفات برنامج الهيئة “استدامة وتمكين” المتضمن عقد الشراكات ذات الأثر التنموي على المجتمع، ودعم القطاع غير الربحي، وتشغيل برامجه النوعيّة، تحقيقاً لدور الأوقاف في التنمية الشاملة والمبتكرة، إضافة إلى كونه تنفيذاً لأهداف رؤية 2030 لقطاع الأوقاف التي تؤكد على تطوير العمل الوقفي من خلال المساهمة في إقامة المشروعات الوقفية، والنشاطات العلمية والبحثية؛ بما يعزز تنمية المجتمع، ويحقق شروط الواقفين، ومقاصد الوقف”.

لقد عرفنا أهمية الوقف باعتباره محركاً هاماً في سير الأمم والحضارات نحو التقدم والازدهار، وهذا ما جعل غير المسلمين يلتفتون إليه كوسيلة من وسائل تطوير الحياة، وديمومة التطور والتقدم في مجتمعاتهم، برغم كونهم لا ينتظرون عليه أجرا أخرويا، ولا يعتبرونه سبيلا للنجاة والفلاح في الآخرة كما نعتقد نحن المسلمون. فإذا كان الأمر كذلك، فإن تطوير الأوقاف بما يتناسب وحاجة الناس ومتطلبات حياتهم في كل زمان ومكان، وبحسب حاجاتهم وظروفهم، ليستلزم التفكير بسبل جديدة، وصور جديدة للأوقاف تفي بكل ذلك. وهذا لا يكون إلا بالابتكار الوقفي.

خيارات النشر

لتحميل هذا المقال بصيغة PDF أو Word أو طباعتة وذلك بانقر فوق أيقونة أدوات النشر

الوسوم