هذا العنوان مقتبس من محاضرة للدكتور فؤاد العمر تكلم فيها عن أهمية الحوكمة للأوقاف، والحاجة إليها، وكان مما ذكره في سياق الحديث عن ضرورة الحوكمة([1]):

  • وجود سوابق تاريخية في سوء إدارة الأوقاف وخاصة النظارة الفردية تؤكد الحاجة لحماية الأوقاف من سوء تصرف الناظر عن قصد (فساد/إهمال) أو غير قصد (جهل) وحمايتها من تسلط الآخرين عليها وسرقة أصولها أو ريعها.
  • وأن طبيعة تشكيل الأوقاف واستقلاليتها تتطلب آليات مختلفة في الرقابة والإشراف وتستلزم حوكمتها وحمايتها ومتابعتها؛ لأن المحاكم لا تتدخل غالباً إلا بعد ما تتفاقم مشاكل الوقف وتصل إلى طرق مسدودة، وربما يترتب على ذلك تعطل الأوقاف وتعثرها.
  • وأوضح أن حجم الأوقاف الكبير يتطلب العناية بحوكمتها كونها مصدر ضخم من مصادر تنمية المجتمع، حيث تذكر المصادر أن الأوقاف العامة التي تديرها الهيئة تزيد أصولها عن (14) مليار ريال، بينما تدير جهات أخرى أوقافاً تزيد أصولها عن (40) مليار ريال، في حين تقدر أصول الأوقاف الأهلية بما يزيد عن (300) مليار ريال([2]).
  • وكمثال على أهمية الحوكمة استعرض الدكتور نتائج دراسة لوقفٍ ليس لديه ممارسات في الحوكمة وإدارة المخاطر ووجد أن العائد على رأس المال انخفض من (11%) في 2007م إلى (6%) في 2010م والقيمة السوقية للأصول انخفضت من (489 مليون) دينار إلى (271 دينار).
  • وأشار إلى أن التشريعات الحالية غير كافية لتحقيق مستوى عالٍ من الحوكمة، لذا من المتوقع أن تصدر تشريعات تتناول قواعد الحوكمة وإدارة المخاطر والالتزام.
  • وذكر أن حوكمة الأوقاف تتكامل مع رؤية 2030م، والتي من أبرز غاياتها: تعزيز الشفافية في جميع القطاعات، ودعم نمو القطاع غير الربحي، وتمكين المنظمات غير الربحية من تحقيق أثر أعمق.

هذه الأمور وغيرها تؤكد على أهمية حوكمة الأوقاف، إلا أن السؤال يبقى قائماً: إلى أي مدى يجب أن نضبط معايير الحوكمة، ونُلزِم الأوقاف بها؟ وما عمق التفاصيل والمعايير التي يجب أن نُخضِع الأوقاف لها كي لا تنتقل حوكمة الأوقاف من كونها ضرورة لابد منها إلى ممارسة تحسينية وترف إداري وقانوني؟ وما الحدود الفاصلة بين معايير الحوكمة ومعايير الجودة والبناء المؤسسي؟ أو بعبارة أخرى: هل يمكننا أن نبني معاييراً لحوكمة الأوقاف؛ مختصرةً ومركزةً تُحققُ لنا الضروري دون الحاجي؟

الإجابة على هذه التساؤلات تقودنا إلى العودة مرة أخرى لمناقشة أصل المشكلة التي جاءت الحوكمة لحلها والغرض الذي تركز الحوكمة على تحقيقه.

غرض الحوكمة:

حوكمة الشركات بدأت قبل أكثر من (30) سنة لحل مشكلات الوكالة بين المدير (الوكيل) والأصيل (المالك) والتي تتمحور مشكلاتها حول حماية الوقف من تعارض المصالح لدى الوكيل([3](:

شكل (1): نظرية مشكلات الوكالة

شكل (1): نظرية مشكلات الوكالة

والهدف الرئيس من حوكمة الشركة هو حمايتها([4]) من:

  • القرار الفردي/ الخاطئ: ويقابله (واجب العناية) الذي يحاسَب عليه الوكيل، بحيث يَلزمُه أن يتخذ القرارات التي تحقق مصلحة الشركة بناءً على المعلومات والمعطيات المتاحة وبعد إجراء المداولات الواجبة، وألا يتجاهل أي إنذار أو مؤشر تحذيري.
  • تعارض المصالح: ويقابله (واجب الولاء) بحيث يتوجب على الوكيل تقديم مصلحة الشركة على مصلحته الخاصة، وعلى سبيل المثال يجب عليه ألا يتقدم على صفقة تمثِّل فرصة للشركة قبل أن يتأكد من أن الشركة لن تدخل فيها.
  • التدليس وإخفاء المعلومات: ويقابله (واجب الصراحة) والذي يعني تقديم المعلومات اللازمة لمن يحتاجها في الوقت المناسب، وأن يُفصِح عن أي مصلحة شخصية أو تعارض مصالح.

ولتحقيق هذه الأهداف الثلاث يجب أن تحدد (المسؤوليات) بشكل دقيق وأن تُعَد قواعد وأدوات تضمن لنا قدرة أصحاب المصلحة على (مساءلة) ومحاسبة (المسؤولين).

في القطاع غير الربحي غاب المالك، وغالباً ما يعوّض عنه بجمعيات عمومية أو لجان مستقلة لحماية الكيان([5])، إلا أن غرض الحوكمة واحد: وهو الحماية([6])، لذا لا يمكن تصور حوكمة لا تحقق هذه الأهداف الثلاثة وتحتوي على قواعد تضمن حق المساءلة للمسؤولين.. ومن هنا أوضحت– في مقال سابق([7]) – الإطار المنطقي لحوكمة الأوقاف، وحددتُّ الأسس الرئيسة التالية لحوكمة الوقف:

  • تحقيق الرشد في القرارات: لتحقيق واجب العناية، وحماية الوقف من القرار الفردي والخاطئ.
  • العدالة في التعاملات: لتحقيق واجب الولاء وحماية الوقف من تعارض المصالح.
  • الشفافية في البيانات: لتحقيق واجب الصراحة وحماية الوقف من التدليس وإخفاء المعلومات.
  • المسؤولية والمساءلة: لضمان وجود قواعد وآليات تحقق الواجبات الثلاث.
شكل (2): الإطار المنطقي لبناء أسس حوكمة الوقف

شكل (2): الإطار المنطقي لبناء أسس حوكمة الوقف

الحوكمة لا تعني بالضرورة تحقيق معايير الجودة وتحسين الأداء ورفع الكفاءة! لذا في كل مرة نضع معياراً من معايير الحوكمة يجب أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل يسهم هذا المعيار في حماية الوقف؟ أم أنه معيار لزيادة الفاعلية وضبط الجودة؟ إن عدم التركيز على هذه النقطة المحورية يجعل المشرعين يشرقون ويغربون في بناء معايير حوكمة الأوقاف، ويدخلون في حوكمتها ما ليس منها([8]).

وكما أن المستثمر ساهم بماله ويريد أن يضمن أن الوكيل سيحفظ له هذا المال وينمِّيه ويحقق أهدافه ومراده من الاستثمار، فالواقف أوقف المال ويريد أن يضمن أن الوكيل سيحمي أصول الوقف (المالية والمادية والمعنوية) وينمِّيها ويحقق الأهداف التي أوقف الوقف من أجلها، وأنه يبذل قصارى جهده لاتخاذ القرار الرشيد المبني على المعلومات والمعطيات المتاحة (واجب العناية) ، وأن يضمن أنه يقدم مصحة الوقف على مصلحته الشخصية (واجب الولاء)، ولذلك فليس لديه ما يخفيه، وهو ملتزم بتقديم التوضيحات الواجبة للمتأثرين بالوقف في الوقت المناسب (واجب الصراحة).

الحوكمة بهذا المعنى ضرورة.. وما زاد عن ذلك ترف….


([1]) ألقيت المحاضرة في ديوانية الأوقاف في المنطقة الشرقية (https://youtu.be/rh2JPzEm5Os) في يوم الأربعاء 27/12/2017م، والأفكار الست الواردة في هذه المقالة نقلت من المحاضرة بتصرف وإضافات.

([2]) ينظر: تقرير اقتصاديات الوقف (الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية) وورقة د. محمد السحيباني في الملتقى الرابع للأوقاف عن التقرير 2019م، وحتى الآن لا توجد قاعدة بيانات دقيقة توضح عدد الأوقاف وحجم أصولها وإيراداتها إلا أن التقرير أشار إلى أن متوسط عدد الوثائق الوقفية السنوية في ثلاث محاكم فقط يزيد عن (500) وقف سنوياً.

([3]) ينظر مقال (حوكمة الشركات ودورها في تخفيض مشاكل نظرية الوكالة) د.بتول نوري، د.علي سلمان، مجلة رماح للبحوث والدراسات، ع14، 2014م.

([4]) ينظر فصل “الواجب الائتماني” في كتاب (مسائل في حوكمة الشركات) لديفد لاركر، (ص 101)، ويقصد بالواجب الائتماني الالتزام القانوني بالعمل بما فيه مصلحة للشركة.

([5]) ( لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع ينظر مقال (الهيكل التنظيمي لحوكمة الوقف) في مركز المعرفة في موقع استثمار المستقبل (https://www.estithmar.org/alhaikal-altandheme-lehawkamat-alwaqf/).

([6]) ننبه هنا إلى أن حماية الوقف تختلف حسب الزاوية التي ننظر منها؛ فالدولة تنظر لحماية الوقف على أساس أن الوقف مؤسسة مالية وهو رافد من روافد التنمية وتتخوف من سرقة الناظر له أو استغلاله في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والناظر يرى أن الحماية في تدبير الصرف وتحسين الاستثمار وعدم تدخل الآخرين في إدارة الوقف والتأثير في قراراته، والمستفيد يركز على حماية الوقف من تسلط الناظر وسرقته للوقف، والواقف يريد من الحماية أن يُعمَّر الوقف ويستديم أثره، والمهم هو كيف ينظر الشرع إلى مفهوم حماية الوقف؟

([7]) لمزيد من التفاصيل ينظر مقال (أسس حوكمة الوقف) في مركز المعرفة في موقع استثمار المستقبل (https://www.estithmar.org/osos-hawkamat-alwaqf/).

([8]) لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع ينظر مقال (محور تركيز حوكمة الأوقاف) في مركز المعرفة في موقع استثمار المستقبل (https://www.estithmar.org/mehwar-tarkeez-hawkamat-alawqaf/).

انظر أيضا