محتويات المقال

الكاتب

أ. عاصم العبيدي

مستشار أوقاف

بواسطة أ. عاصم العبيدي,

2022/11/22 ,

7 دقائق

-+=

الشخصية الاعتبارية للأوقاف

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد كنا في اجتماع مع أحد الواقفين، وفي أثناء استعراض مشكلته أخبرنا بأنه أسس مؤسسة تجارية تابعة للوقف، فلما سألناه عن هدف تأسيسها أخبرنا بأنه يرغب بالحصول على مزايا المؤسسات، كفتح الحسابات البنكية والقدرة على التوظيف وغير ذلك مما هو متاح للمؤسسات، وفي اجتماع آخر مع واقف آخر قدم لنا ورقة صمم فيها هيكل الأوقاف التي يعزم على تأسيسها، فلما اطلعنا على تلك الورقة رأينا في الهيكل وقفين؛ أحدهما ذري والآخر خيري، ويتفرع عن كل وقف مؤسسة تجارية، وعند سؤاله عن هدف تأسيس مؤسستين أجاب بأنه يرغب بفتح حساب بنكي خاص بكل وقف حتى لا تختلط أموال الوقف الذري بالوقف الخيري.

ولا يزال هذا الموقف يتكرر مع كثير من الواقفين بل ومع الجمعيات الأهلية، حيث يجهل كثير من الناس استقلال الوقف بشخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة تمكنه من فتح الحسابات البنكية وتأسيس الكيانات الأخرى والتملك من خلالها أو بدونها، وغير ذلك من الآثار الشرعية والقانونية، وإن كانت تلك التصرفات متفهمة في الزمن السابق لعدم وضوح شخصية الأوقاف الاعتبارية فإنه لا يوجد ما يدعو لها حاليا بعد صدور التنظيمات الجديدة.

ولعلمنا بحجم المعاناة التي تواجه كثيرا من العاملين في القطاع الخيري، ولطبيعة عملنا في المعالجة والاستشارات القانونية للأوقاف والوصايا والكيانات الخيرية في شركة استثمار المستقبل، فإنني أرى آثار الدهشة والاستغراب والسرور -في نفس الوقت- ظاهرة على وجوه كثير من الواقفين والنظار عند الحديث عن الشخصية الاعتبارية للوقف؛ ولذلك كله رأيت أهمية الحديث عن الشخصية الاعتبارية للأوقاف، انطلاقا من التعريف، ومرورا بنظرة نظام الفقه الإسلامي والنظام السعودي للشخصية الاعتبارية، وانتهاء بالآثار الشرعية والقانونية للشخصية الاعتبارية، لا سيما وأن الهيئة العامة للأوقاف في طور إعداد نظام للأوقاف يعطيها الشخصية الاعتبارية كما نص مشروع النظام الذي نشر في منصة استطلاع بتاريخ 01/06/2022م لأخذ مرئيات العموم في المادة (32)، حيث ورد فيها: “يترتب على انعقاد الوقف الآتي: 2- اكتساب الوقف شخصية اعتبارية مستقلة عن الواقف والموقوف عليه والناظر…3- انتقال ملكية الأموال الموقوفة وغيرها من أموال الوقف للذمة المالية للوقف”، ولما نُشر تقرير المرئيات ومعالجاتها لم يظهر فيه ما يفيد تعديل هذه المادة.

معنى الشخصية الاعتبارية:

اختلفت تعريفات القانونيين للشخصية الاعتبارية، ولكون هذا المقال لا يقصد التحرير والعمق في البحث وإنما التصوير التوضيحي والتوعية بموضوعه وآثاره العملية فإنني سأكتفي بنقل تعريف واحد مع شرح إجمالي له، فقد عرف الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله- الشخص الاعتباري -والذي سماه الشخص الحكمي- بقوله: “شخص يتكون من اجتماع عناصر أشخاص أو أموال، يُقدِّر له التشريع كيانا قانونيا منتزعا منها، مستقلا عنها”([1])، ومن خلال هذا التعريف يتبين بأن الشخص الاعتباري وجوده حكمي لا حسي، بينما الشخص الطبيعي وجوده حسي، كما أن الشخص الاعتباري يكون تابعا لمؤسسيه من حيث تشكيله وتأسيسه، أما الشخص الطبيعي فمستقل بنفسه.

وإذا قلنا بأن للوقف شخصية اعتبارية خاصة به فهذا يعني أن الوقف كيان مستقل بشخصيته وذمته المالية عن الواقف والناظر والمستفيدين، ويحق له الالتزام للغير وإلزام الغير بما له عليهم، وحصول الوقف على الشخصية الاعتبارية يشبه حصول الجهات الحكومية والمؤسسات والشركات المالية على الشخصية الاعتبارية.

ويقابل الشخصية الاعتبارية الشخصية الطبيعية، فكما أن الشخص الطبيعي له ذمة مالية مستقلة فيحق له الالتزام في عقوده مع الآخرين فكذلك الوقف، وكما أن للشخص الطبيعي المطالبة بحقوقه لدى المحاكم فكذلك يحق للوقف عن طريق ممثليه، وكما أن الحقوق قد تلزم الشخص الطبيعي فكذلك الوقف قد تلزمه حقوق للغير، ولهم أن يطالبوا الوقف بحقوقهم عليه، وكما أن للشخص الطبيعي تأسيس كيانات أخرى -كالشركات والمؤسسات الأهلية- وفتح المحافظ الاستثمارية والتملك للمنقولات فكذلك يحق للوقف جميع ذلك، وفي جميع الأحوال فإن الذي يمثل الوقف هو الناظر أو من يفوضه ويوكله الناظر، وسيأتي بيان الآثار المترتبة على القول بالشخصية الاعتبارية في محور مستقل بإذن الله تعالى.

الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي:

من محاسن شريعتنا الإسلامية مرونتها في التعامل مع مستجدات الحياة، فإذا كانت فكرة الشخصية الاعتبارية جديدة في القانون الحديث فإنها ليست جديدة على الفقه الإسلامي، فلو تأملنا في نظام الفقه الإسلامي لوجدنا للشخصية الاعتبارية حضوراً ولو لم تُسمَّ بهذا الاسم، يظهر ذلك في الشخصية الاعتبارية للولاية الكبرى -الدولة- وبيت مال المسلمين والمسجد والوقف والمضاربة، وغيرها([2]).

ومن النصوص التي توضح حضور الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي ما يلي:

  • قال الخرشي: “أن الموقوف عليه يشترط فيه أن يكون أهلا للتملك حكماً كالمسجد، أو حساً كالآدمي”([3]).
  • وقال ابن حجر الهيتمي: “وكذا إن أطلق في الأصح بأن قال: أوصيت به للمسجد وإن أراد تمليكه؛ لما مر في الوقف أنه حر يملك، أي: منزل منزلته”([4]).

وإن مما يجب بيانه هنا أن الحكم باستقلال الوقف بشخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة هو محل خلاف بين الفقهاء، ولكون هذا المقال يهدف إلى التوعية بما عليه العمل لا إلى التأصيل الفقهي فأكتفي بالإحالة إلى بعض المراجع التي بحثت هذه المسألة([5]).

الشخصية الاعتبارية للوقف في النظام السعودي:

سبقت الإشارة في مقدمة هذا المقال إلى المادة (32) من مشروع نظام الأوقاف الجديد، والتي نصت على منح الوقف شخصية اعتبارية، وإن لم يزل النظام في طور الدراسة فإن العمل قائم على منح الوقف شخصيته الاعتبارية عند المحاكم والجهات الحكومية والبنوك وغيرها، ويكتسب الوقف شخصيته الاعتبارية نظاما بصدور وثيقة الوقف الرسمية من كتابة العدل، ولكنه يبقى عاجزا عن الحصول على بعض الصلاحيات حتى يستخرج شهادة تسجيل في الهيئة العامة للأوقاف.

وقد ورد في لائحة تنظيم أعمال النظارة ما يبرز استقلال الوقف بشخصيته، من ذلك ما ورد في المادة (11/3) عند الحديث عن صلاحيات الناظر: “وتمثيل الوقف أمام كافة الجهات، والدفاع عن حقوقه ومصالحه”، كما عالجت المادة (18) مسألة تعارض مصالح الناظر مع مصالح الوقف، فجعلُ الناظر ممثلا عن الوقف ومدافعا عن حقوقه ومصالحه يفيد بأن للوقف شخصية قابلة للتفويض، تثبت لها الحقوق، وقد أوجبت المادة (15) من اللائحة على النظار فتح حساب بنكي خاص بالوقف، وعدم خلط أموال الوقف بالأموال الشخصية.

وإذا انتقلنا للمحاكم فسنرى الشخصية الاعتبارية للوقف ظاهرة في الأنظمة والأحكام القضائية، ولعل مما يدل على ذلك ما ورد في بيان اختصاص محاكم الأحوال الشخصية في نظام المرافعات الشرعية، حيث ذُكر في المادة (33/3) أن من اختصاص محاكم الأحوال الشخصية قسمة التركة إذا كان فيها وقف أو وصية، وذلك بهدف التأكد من الغبطة والمصلحة لهما، وهذا مما يوحي باستقلال الوقف بشخصيته الاعتبارية، كما أن هذه المادة جمعت مع الوقف والوصية القاصر والغائب، فعطفت صاحب الشخصية الطبيعية على صاحب الشخصية الاعتبارية، أما الأحكام القضائية فظهور الشخصية الاعتبارية فيها ظاهر من خلال النص على ذلك صراحة أو من خلال إعطاء الوقف أحكام الشخصية الاعتبارية وفق شروط الوقف.

الآثار الشرعية والقانونية لاعتبار الشخصية الاعتبارية:

إن الحديث عن الشخصية الاعتبارية لا يُراد منه في الحقيقة إلا التنبيه على الآثار الشرعية والقانونية لاعتبارها، ومعرفة ذلك تساعد الواقفين والنظار على التعامل مع الوقف تعاملا سليماً شرعاً ونظاماً، وسأذكر أبرز الآثار المترتبة على ذلك فيما يلي:

  • الذمة المالية المستقلة والمسؤولية المحدودة:

إذا قلنا بأن للوقف شخصية اعتبارية فإن أهم ما يترتب على ذلك استقلال ذمته المالية، حيث يكون الوقف مستقلا بذمته المالية عن الواقف وعن الناظر وعن المستفيدين منه، والمسؤولية محدودة بذمته ولا تتجاوز إلى الواقف أو الناظر، وله أن يتملك الأموال الثابتة والمنقولة، ويكون ملكه خاصا به لا يشركه معه غيره، ولو دخل الوقف في مضاربة أو استثمار ونتج عن ذلك ربح فإنه ملك للوقف، ولو خسر هذا الاستثمار فإن الذي يتحمل الخسارة هو الوقف.

ويترتب على استقلال الذمة المالية أن الاقتراض للوقف لمصلحته كالعمارة والترميم ونحوها، والإقراض من مال الوقف، كلاهما محل خلاف بين الفقهاء، وذلك لأن المال المقترض سيكون في ذمة الوقف لا الناظر، وكذلك المال المُقرَض إنما هو مال للوقف، وليس هذا مقام تفصيل المسألة، ولكن المراد الإشارة إلى أن سبب خلاف الفقهاء هو استقلال ذمة الوقف المالية.

  • التقاضي وتحريك الدعوى:

عندما نقول بأن للوقف ذمة مالية مستقلة، وله حقوق تثبت على الغير، والتزامات تثبت عليه للغير، فإن ذلك يعني بأن وقوع الخلاف في الاستحقاق للوقف وعليه وارد، وحينها من سيدافع عن حق الوقف ما دام شخصية حكمية ليس لها وجود حسي؟

عالج الفقهاء هذه المسألة، وبينوا بأن على الناظر أن يدافع عن حق الوقف وأن يمثله أمام القضاء وغيره من الجهات الأخرى، وجاء النظام موافقا لما نص عليه الفقهاء، فأعطى الناظر صلاحية تمثيل الوقف أمام المحاكم وغيرها، والمطالبة بحق الوقف والدفاع عنه، نصت المادة (12/1) من لائحة تنظيم أعمال النظارة على أن من واجبات الناظر: “حماية الوقف ومصالحه وحقوقه، وتمثيل الوقف بنفسه أو بإشرافه على من يتولى تمثيل الوقف أمام الجهة القضائية المختصة”، والناظر هنا لا يدافع عن حقوقه الشخصية، بل يدافع عن حق الوقف.

  • تأسيس الكيانات القانونية:

إن من الآثار الظاهرة لتمتع الوقف بشخصيته الاعتبارية قدرته على تأسيس الكيانات القانونية الأخرى والتملك فيها، فيستطيع الوقف أن يؤسس مؤسسة تجارية باسمه، ويستطيع أن يؤسس شركة لوحده أو مع شريك آخر، ويستطيع أن يتملك حصصا في شركات أخرى، ويستطيع أن يؤسس مؤسسة أهلية إن كان يحتاج لذلك، وقد جاءت الإشارة إلى قدرة الوقف على تأسيس كيانات تابعة له في المادة (5/11) من لائحة تنظم أعمال النظارة، وكذلك في النموذج المعتمد لشهادة الوقف التي تصدر من الهيئة وقتَ كتابة هذا المقال.

وفي جميع الأحوال فإن هذه الكيانات لها شخصيات اعتبارية مستقلة عن الوقف، ففي مثال المؤسسة التجارية فإن المؤسسة لها حساب بنكي يختلف عن حساب الوقف، والمؤسسة إن سجلت في الضريبة فإن الضريبة تشمل دخل المؤسسة لا الوقف، وهنا يظهر خطأ بعض النظار في الخلط بين الشخصيتين، فيسجل الوقف في الضريبة ويفتح حسابا باسم المؤسسة أو العكس، وكذلك القول في الموظفين المسجلين باسم الوقف والمسجلين باسم المؤسسة.

  • التملك والتوظيف:

كثير من النظار لا علم لهم بأن للوقف الحق -نظاما- في التملك للثابت والمنقول من الأموال، وذلك لجهل الكثير بأن الوقف قادر على استخراج رقم موحد لمنشأته لدى مكتب العمل، ومن ثم يعتبر هذا الرقم هو الهوية الرسمية للوقف في التملك دون الحاجة لتأسيس مؤسسة تجارية، بل من الخطأ تأسيس مؤسسة تجارية إذا لم يكن للوقف نشاط تجاري، فالمؤسسة لدى وزارة التجارة خاصة بممارسة التجارة سواء للأوقاف أو للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، ولا حاجة للمؤسسة كذلك في فتح الحسابات البنكية، أما تسجيل الممتلكات، وتوقيع العقود، وتعيين الموظفين والعمال، فكل ذلك يتم عن طريق ملف المنشأة في مكتب العمل، والهيئة العامة للأوقاف تبذل جهدا مشكورا في ربط شهادة تسجيل الوقف بفتح ملف في مكتب العمل دون الحاجة لمراجعة المكتب، فعندما يقدم الناظر أو الوكيل طلب تسجيل الوقف في موقع الهيئة يظهر له خيار في حال رغب بفتح ملف للوقف في مكتب العمل، ولا يزال مشروع الربط تحت التجربة حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

  • استقلال الوقف بحسابات بنكية خاصة:

ولكون الوقف كياناً قانونياً ذا شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة فإن للوقف الحق في فتح حساب بنكي خاص به، بل يجب على الناظر فتح حساب بنكي مستقل باسم الوقف، حيث نصت المادة (15) من لائحة تنظيم أعمال النظارة على وجوب عمل الناظر بعدد من الإجراءات، أولها: “إنشاء حساب بنكي -أو أكثر- باسم الوقف لدى البنوك والمصارف العاملة في المملكة، يتم من خلاله إجراء كافة التعاملات المالية الخاصة بالوقف وإدارة شؤونه، وعدم خلط الأموال الخاصة بالوقف مع الأموال الشخصية”، ويجب التنبيه على أن فتح الحساب البنكي مشروط بحصول الوقف على شهادة تسجيل من الهيئة العامة للأوقاف، وقد بينت قواعد البنك المركزي في القاعدة (300-1-5-8) متطلبات فتح الحساب البنكي للأوقاف والوصايا، والوقف هنا يفتح الحساب البنكي باسمه لا باسم مؤسسة تجارية.

كما يجوز للوقف أيضا فتح حسابات ومحافظ استثمارية للتملك في الأسهم، وتسجل تلك الحسابات والمحافظ باسم الوقف مباشرة.

الخاتمة:

في ختام هذه المقالة أرجو أن أكون قد أصبت فيما ذكرت، وأن أكون قد وُفقت بعرض ما أردت بيانه، وأسأل الله أن يبارك في أموال الواقفين، وفي جهود نظار الأوقاف الذي يبذلون في رعايتها وقتا وجهدا يُشكرون عليه، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
([1]) المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، ص284.
([2]) يُنظر: الذمة المالية للوقف وآثارها، منتدى قضايا الوقف الفقهية السابع، ص53.
([3]) شرح الخرشي على مختصر خليل، (7/80).
([4]) تحفة المحتاج، (7/13).
([5]) الذمة المالية للوقف وآثارها، منتدى قضايا الوقف الفقهية السابع، والذمة المالية للوقف فقها ونظاما، لأحمد الحمد، والنوازل الفقهية، للميمان، ص150، والجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا، للمشيقح، (1/118).

انظر أيضا

خيارات النشر

لتحميل هذا المقال بصيغة PDF أو Word أو طباعتة وذلك بانقر فوق أيقونة أدوات النشر

الوسوم