محتويات المقال

الكاتب

أ. محمد العمرو

مستشار أوقاف

بواسطة أ. محمد العمرو,

2023/01/09 ,

8 دقائق

-+=

حماية رأس مال الأوقاف ([1])

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

لم تزل الأوقاف في الدول الإسلامية عصباً من أعصاب النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، بل ومن الأسباب الرئيسة في نهوض الحضارة الإسلامية ودفع عجلة التنمية، وفي وقتنا الحاضر تتجه بوصلة الاهتمام إلى قطاع الأوقاف سواء كان من جهة الحوكمة والتنظيم أو من جهة الدعم والتنمية.

فاستثمار الأوقاف أصبح من المهمات التي لابد منها؛ فراراً من التضخم والمخاطر التي تحيط بها أو زيادةً في أصول الأوقاف أو المحافظة على أصلها لتوسيع شريحة المستفيدين من غلة الأوقاف على أن تكون تلك الاستثمارات متوسطة أو منخفضة المخاطر، وقد نصت لائحة تنظيم أعمال النظارة في (م16/ف3) على عدم تعريض الوقف لمخاطر عالية -أي في الاستثمار-.([2])

وطبيعة الاستثمار دورانه وارتباطه مع المخاطر، فإذا ذُكر الاستثمار كانت المخاطر صاحبة السبق في امتثالها أمامه، وكلما ارتفعت نسبة الأرباح ارتفعت نسبة المخاطر، والعكس بالعكس وهذا أمر مطرد -في الغالب-، وهو من القواعد الاقتصادية في فضاء الاستثمار والتجارة، وسواء عادت تلك المخاطر إلى: رأس المال أو العائد على الاستثمار أو غيرهما، ولو انتقلنا للجانب الشرعي فسنجد ما يدل على تعلق المخاطرة بالاستثمار، من ذلك أن تحمُّل رب المال المخاطرة ولو في وقت يسير من الأدلة  على صحة العملية التجارية -وليس هذا بلازم في كل العمليات-، وقد نهى النبي ﷺ  “عن بيع الإنسان ما لا يملك”([3])، ونهى ﷺ  “عن ربح ما لم يُضمن”([4])، وروي عنه  ﷺ  أنه قال: “الخراج بالضمان”([5])، ومما تقرر عند أهل العلم -رحمهم الله- أن الغنم بالغرم([6]). فارتباط الاستثمار بالمخاطر أمر لا انفكاك عنه، وسواء كان الخطر المراد في النصوص الواردة أو الخطر المالي وهو أعم وأشمل.([7])

ومما يحسن الإشارة والتنبيه إليه في مجال استثمار الأوقاف هو: (حماية رأس مال الأوقاف)، وقد عرّفت المعايير الشرعية حماية رأس المال بأنه: استخدام الوسائل المتاحة للوقاية من الخسارة أو النقصان أو التلف.([8])

والغالب في تعبير الفقهاء -رحمهم الله- استخدام لفظ: “السلامة” أو “الوقاية”، كقولهم في المضاربة: “لا ربح إلا بعد سلامة المال”، وقولهم: “الربح وقاية لرأس المال”.([9])

وإذا كان معنى حماية رأس المال هو حفظ المال ووقايته وسلامته؛ فهو أحد الضروريات الخمس التي أمر الشرع بالحفاظ عليها، وهي في حق نظار الأوقاف من باب أولى، ويد الناظر ولجنة الاستثمار في الأوقاف هي يد أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط أو مخالفة شرط الواقف.([10])

ولا نعني بحماية رأس المال “الضمان” الذي قد يلتبس على البعض، بل الحماية بذل عناية، وأما الضمان فهو التزام بغاية، والحماية الأصل فيها الوجوب باتخاذ أسباب وقاية رأس المال، فهي واجبة على الناظر في مال الوقف، وأما الضمان فهو على رب المال أو على الناظر إذا تعدى أو فرّط، ولا يلزم من الحماية وقاية رأس المال كاملاً فربما تكون من باب تخفيف الخسارة أو تجنبها.

ونلحظ في الآونة الأخيرة تزايد دخول الأوقاف في مجال الاستثمار وهذا أمر في غاية الأهمية -مع مراعاة شروطه- لتنميتها، وهو على جميع الأصعدة، ومن المهم أن يتنبّه نظار الأوقاف واللجان الاستثمارية في الأوقاف إلى أهمية حماية رأس مال الأوقاف عموماً وفي الاستثمار خصوصاً، ويكون ذلك بالطرق الشرعية، فإذا كان أرباب الأموال والثروات يعتمدون على طرق حماية رأس المال في الاستثمارات، فالأوقاف من باب أولى؛ إذ إن نفعها متعدي، وتتقاطع المخاطر وإدارتها مع طرق حماية رأس المال لذات الغاية والهدف.

والوقاية والحماية من الخسارة هي محل أنظار التجار منذ القِدم، وقد جاء عن حكيم بن حزام t ([11]) صاحب رسول الله ﷺ  أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً (مضاربة) يضرب له به ألا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي.([12])

وقد توارد في كتب الفقهاء -رحمهم الله- العديد من الصيغ والطرق التي تحمي رأس المال أو تخفف من خسارته، وإن كان هذا العلم قد تطور في هذا الزمن تطوراً كبيراً كما هو في عقود التحوط التقليدية والمستقبليات وغيرها، إلا أن الطرق الشرعية لم تزل قليلة.

من طرق حماية رأس مال الأوقاف في الاستثمار([13]):

  • التأمين التكافلي على الأصول الوقفية والاستثمارات لحماية رأس المال.
  • تعهد طرف ثالث له مصلحة عامة -كالحكومات أو الوزارات أو الأفراد الطبيعيين أو الاعتباريين- بتحمل خسارة رأس المال أو الربح أو كلاهما.
  • تعهد طرف ثالث -له مصلحة خاصة- بتحمل خسارة رأس المال أو الربح أو كلاهما من غير عوض ولا رجوع على المضارب.([14])
  • أخذ الرهونات والضمانات في المرابحة أو السلم أو الاستصناع؛ لتوثيق استيفاء الديون منها.
  • تبرع الناظر أو لجنة الاستثمار بالتزام الضمان بعد عقد الصيغة الاستثمارية. ([15])
  • تقييد الناظر أو لجنة الاستثمار بصيغة معينة ومحددة، أو مجال تجاري معيّن، كالعقار أو الأسهم مثلاً.
  • صيغة الجمع بين عقدين على وجه مشروع، وهو هيكل مركب من عقدين منفصلين، أحدهما: بيع المرابحة، والثاني: بيع العربون، وصورته: أن يقسم رأس المال (100 مثلاً) إلى جزأين، الأول يُمثل (93)، فيدخل فيه الناظر أو لجنة الاستثمار في مرابحة مع جهة موثوقة وذات مخاطر متدنية، وبربح قدره (7) فيتحقق حماية رأس المال إذ سيحصل في نهاية العام على (100). وأما ما بقي وهو (7) فيدخل فيه الناظر أو لجنة الاستثمار مع أحد بنوك الاستثمار في عقد بيع أسهم على أساس بيع العربون، فيشتري أسهماً ثمنها (700) ويدفع مبلغ (7) عربوناً، فإذا حصل الارتفاع في ثمن الأسهم أمضى العقد وقبض الأسهم فباعها (مثلاً: 800) ثم يدفع الثمن إلى البائع ويحقق (100) ربحاً للوقف. وإذا لم يحصل الارتفاع المتوقع فما على مدير الاستثمار إلا أن يعرض عن إمضاء العقد وسيخسر (7)، ولكنه حقق الحماية فحصل على (7) من أرباح الجزء الأول.
  • الأوقاف المتعاضدة -وله صور منها-: أن يكفل الوقف الأكبر الأوقاف الصغيرة في استثماراتها وفق سياسة معينة، ولمدة محددة، أو يكفل الوقف نظيره من الأوقاف.
  • توحيد -اندماج- الأوقاف الضعيفة؛ وتظهر فائدته في الأوقاف الصغيرة التي لا تقوى على البقاء والمقاومة، فتُدمج في بعضها.([16])
  • تكوين احتياطي من عائد الاستثمار في وعاء آمن، لسد الخسائر المستقبلية حال وقوعها.
  • تنويع الأصول الاستثمارية بما يحقق العائد المناسب ويقلل المخاطر، كالجمع بين الأصول الحقيقية والأصول المالية، أو الجمع بين أصول مقومة بعُملتين مختلفتين.([17])

وقد يمكن الاستفادة من فكرة المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات، بإنشاء مؤسسة إسلامية لتأمين استثمارات الأوقاف.([18])

وفي الختام: لا يزال قطاع الأوقاف بحاجة إلى مزيد بحث وابتكار عن منتجات وصيغ مناسبة، وبدائل شرعية، فهي أرض خصبة، ولا يقتصر هذا على مجال الحماية فقط بل حتى في مجال الاستثمار والتمويل والتعاضد فيما بينها، فميدان الأوقاف أوسع من ميدان المؤسسات المالية التي لم تكلّ عن استمرارية تطوير المنتجات المالية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

([1]) ليس المراد من هذا المقال تحرير المسائل الفقهية أو الفنية أو الحصر لكل ما يمكن تطبيقه في مجال الأوقاف حمايةً أو استثماراً، وإنما المراد تحريك الأذهان وتجديد النشاط وتعليق الجرس.
([2]) وجاء في معيار الوقف، رقم: (33): ما نصه: “… على أن يكون الاستثمار قليل المخاطر”، وكذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي، رقم: 140 (15/6) -في شأن استثمار الوقف وغلته- : “اختيار وسائل الاستثمار الأكثر أماناً وتجنب الاستثمارات ذات المخاطر العالية بما يقتضيه العرف التجاري والاستثماري”.
([3]) كما في حديث حكيم بن حزام، أخرجه أحمد (24/ 341)، وأبو داود (3/ 283)، والنسائي (6/ 59)، وهو صحيح. انظر: «البدر المنير» (6/ 448).
([4]) أخرجه أحمد (6/ 190) وأبو داود (3/ 303)، والترمذي (3/ 528 )، وقال حسن صحيح. انظر: «نصب الراية» (4/ 45).
([5]) أخرجه أحمد (40/ 272)، وأبو داود (3/ 304)، والترمذي (3/ 574) وقال: “هذا حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم”.
([6]) انظر: «الأشباه والنظائر – السبكي» (2/ 41)، «الأشباه والنظائر – السيوطي» (ص136).
([7]) انظر: بحث د. عبدالستار أبو غدة (أساليب حماية رأس المال)، و د. محمد القري (التحوطات البديلة عن الضمان)، و د. يوسف الشبيلي (تطبيقات الحماية البديلة عن عقود التحوط والضمان)، و د. عمر المحيميد (الحماية من مخاطر استثمار الأوقاف)، و د. عادل المطرودي (عقود التحوط).
([8]) انظر: المعيار الشرعي رقم: (45).
([9]) انظر: المغني لابن قدامة (4/262)، وفتح العزيز بشرح الوجيز (12/104)، والتجريد (7/531)، والبحوث السابقة.
([10]) وهذا مقتضى قول جمهور أهل العلم. وكذلك الوكيل في النظارة؛ لأن النظارة تدخلها الوكالة. انظر: مدونة أحكام الوقف الفقهية (2/542)، والأوقاف الموحدة (166-164).
([11]) كان صاحب مال وتجارة، توفي سنة 54هـ. انظر: (سير أعلام النبلاء 3/44).
([12]) أخرجه الدارقطني (4/ 24)، وصححه ابن حجر والألباني. انظر: «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» (5/ 294)، وروي عن العباس نحوه ولا يصح. انظر: «المعجم الأوسط للطبراني» (1/ 231).
([13]) سأذكرها على سبيل الإجمال لما يسعه هذا المقال، ولا يلزم بالضرورة مناسبتها لكل نوع من أنواع الوقف، وقد يكون في بعضها نوع ابتكار.
([14]) يشترط انفصال الطرف الثالث. انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم: 238 (9/24).
([15]) اختلف أهل العلم في صحة ذلك ومنعه – في المضاربة -، وذهب بعض أهل العلم إلى صحته. قلت: وقد يُغتفر في الأوقاف ما لا يُغتفر في غيرها، وخصوصاً إذا دخل الضامن بنية التبرع. وليس هذا محل تحرير المسألة. انظر: و (أساليب حماية رأس المال)، و(التحوطات البديلة عن الضمان)، و (تطبيقات الحماية البديلة عن عقود التحوط والضمان).
([16]) ودمج الأوقاف له صور متعددة. قال المرداوي عن دمج الأوقاف إذا كانت جهتها واحدة: “بل عمل الناس عليه”. انظر: الانصاف (16/529).
([17]) ينظر قرار مجمع الفقه الإسلامي. انظر: رقم: 238 (24/9).
([18]) رابط موقع المؤسسة لمزيد استفادة: https://iciec.isdb.org/ar/services/credit-insurance-solutions/#what-we-do/

خيارات النشر

لتحميل هذا المقال بصيغة PDF أو Word أو طباعتة وذلك بانقر فوق أيقونة أدوات النشر

الوسوم